|
|
||
|
بسم الله الرحمن الرحيم فوضى واخطاء وأكاذيب في سرد أحداث ثورة العشرين نبيـل الكرخي المحور الثاني: الحركة النجفية المسلحة ، آذار / مارس 1918م
موقف السيد اليزدي (قده) من التحرك الثوري النجفي سنة 1918م: لقد وجه بعض القوميين سهامهم المسمومة الى شخص المرجع السيد اليزدي (قده) واتهموه بإتهامات بعيدة عن الصواب لاسيما في احداث الحركة النجفية المسلحة ، وقبل ان نستعرض تلك الاتهامات ونفندها ونبين زيفها وخطأها سوف نستعرض بمشيئة الله سبحانه ملخصاً عن الحركة النجفية المذكورة ودور السيد اليزدي فيها ، ثم نتابع موضوعنا : ـ في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، السلطات العثمانية ترسل من البصرة برقية الى علماء الدين في المدن المقدسة ومختلف المدن العراقية تخبرهم بخطر الغزو من قبل البريطانيين[1]. ـ في 14 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م = 25 ذي الحجة 1332هـ ، إحتلال القوات البريطانية للفاو في البصرة[2]. ـ في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، إنطلق السيد المجاهد محمد سعيد الحبوبي (قده) مع كتائب المجاهدين للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[3]. ـ في 17 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، إنطلق موكب السيد عبد الرزاق الحلو مع كتائب المجاهدين للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[4]. ـ في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م أرسل السيد كاظم اليزدي (قده) برقية الى الشيخ خزعل أمير المحمرة لحثّه على مساعدة الثوار والامتناع عن مساعدة المحتلين البريطانيين[5]. ـ في 28 تشرين الثاني / نوفمبر 1914م ، تحرك المجاهدون عن طريق بغداد بقيادة كل من شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) والسيد علي الداماد والسيد مصطفى الكاشاني وموفدوا السيد كاظم اليزدي (قده)[6]وهم كل من السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي (قده) والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والسيد اسماعيل اليزدي وبعض الطلبة[7] للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق. ـ في 22 كانون الاول / ديسمبر 1914م تحرك من النجف الشيخ جعفر الشيخ عبد الحسين والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ حسين الحلي (قده) والشيخ حسين الواسطي والشيخ منصور المحتصر وكثير من العلماء وطلبة الحوزة العلمية للتصدي للاحتلال البريطاني في جنوب العراق[8]. ـ في 19 كانون الثاني / يناير 1915م = 3 ربيع الاول 1333هـ ، متصرف لواء المنتفك يرسل برقية الى السيد كاظم اليزدي (قده) يعرب فيها عن استجابته لأوامره السابقة حول تسهيل شؤون المجاهدين ويخبره بحركة التطوع لمحاربة الانكليز بتاثير فتواه[9]. ـ في 20 كانون الثاني / يناير 1915م ، القوات البريطانية تشن هجوماً كبيراً على موقع الروطة شمال القرنة وقد تصدى لهم المجاهدون بقيادة السيد مهدي الحيدري وهزموهم[10]. ـ في 12 نيسان / أبريل 1915م ، وقعت معركة الشعيبة بين البريطانيين من جهة وبين القوات العثمانية وقوات المجاهدين الشيعة من جهة اخرى ، وقد أدى الانسحاب الفجائي للقوات العثمانية الى إنكسار جيش المجاهدين وإلحاق الهزيمة بهم[11]. ـ بسبب سوء معاملة العثمانيين للمجاهدين بعد معركة الشعيبة تصاعدت في تلك الفترة درجة التذمر من الحكم العثماني في النجف الاشرف ولجأ الكثير من الفارّين من الخدمة العسكرية الى النجف الاشرف ، وقد ساهم الوضع الجديد في تكوين إتجاه يدعو الى الثورة على العثمانيين ، وظهرت في المدينة منشورات تدعو لمحاربة الحكومة العثمانية ، وعلى اثر ذلك أرسل الوالي الى النجف الاشرف قوة عسكرية كبيرة للقبض على الفارين ، فأعطى قائد القوة إنذاراً للاهالي أمده ثلاثة أيام لكي يسلّم الفارون أنفسهم ، ولما انتهت المدة أخذ رجال الشرطة يتعقبون الفارين ويداهمون البيوت ليلاً ونهاراً ويتحسسون أجساد النساء مخافة أن يكون أحد الفارين قد تنكر بزي أمرأة ، وكان من شان هذه الاجراءات أن تستفز الرأي العام النجفي وتولّد ردود فعل عنيفة لا سيما مسألة التعرض للنساء في مجتمع محافظ كمجتمع النجف[12]. ـ في ليلة 22 آيار / مايو 1915م ، أندلعت في النجف الاشرف ثورة ضد العثمانيين ودارت معارك عنيفة بين الثوار وبين القوات العثمانية أضطرت العثمانيين في النهاية الى الاستسلام ، ودخلت الحكومة العثمانية بمفاوضات مع رؤساء النجف تمخضت عن احتفاظ الحكومة بوجود رمزي في المدينة بينما أصبحت السلطة الفعلية بيد الرؤساء[13](أي رؤساء المحلات الاربع في النجف). ـ في 11 تشرين الاول / أكتوبر 1915م = 1 ذي الحجة 1333هـ ، السيد اليزدي (قده) يبعث برسالة جوابية الى الشيخ شعلان العطية رئيس عشيرة الاكرع في عفك والدغارة يؤكد فيها فتواه بوجوب الجهاد ويحثهم عليه[14]. ـ في تشرين الثاني / نوفمبر 1915م أعلن السيد اليزدي (قده) دعوته الثانية للجهاد ضد الاحتلال البريطاني رغم الاساءات التي تعرض لها الشيعة في الفرات الاوسط من قبل العثمانيين[15] ! ـ في تشرين الثاني / نوفمبر 1916م أرسلت الحكومة العثمانية قوة عسكرية بقيادة (عاكف بك) فدخل الحلة واخذت قواته بحرق وهدم البيوت وقتل الاهالي ، ثم نفذ حكم الاعدام شنقاً بحق مائة وستة وعشرين رجلاً ! وبلغ عدد القتلى ألف وخمسمائة ، وتم نفي عدد من الاهالي بينهم نساء وأطفال مات قسم منهم خلال الطريق الى الاناضول ، كل ذلك رداً على ثورة مدينة الحلة التي اندلعت سنة 1915م ضمن ثورات الفرات الاوسط في تلك الفترة[16]. وقد وصلت انباء مجزرة الحلة هذه الى المجاهدين من أبناء الشيعـة في مناطق القتال ضد الانكليز وكان تأثيرها سيئاً عليهم[17]. ـ في 11 آذار / مارس 1917م ، احتلال القوات البريطانية لبغداد. ـ أواخر تموز / يوليو 1917م ، الانكليز يعينون الكابتن بلفور حاكماً سياسياً لمنطقة الشامية والنجف[18]. ـ في اواخر تشرين الاول / أكتوبر 1917م ، وصول قافلة لرئيس مشايخ عنزة "فهد الهذال" المتعاون مع الانكليز ، الى النجف الأشرف لشراء كمية كبيرة من الحبوب بأوامر من الكولونيل لجمن ، مما أدى الى ارتفاع الاسعار ارتفاعاً كبيراً ، مما ادى الى خروج تظاهرة في النجف الاشرف ثم هجم اتباع عطية أبو كلل ـ أحد الرؤساء الاربعة لمحلات النجف الاشرف ـ على القافلة فأطلقوا عليها الرصاص وقتلوا عدداً من الجمال واستولوا على بعض البنادق والامتعة[19]. وادى تفاعل الاحداث الى خلق أزمة كبيرة جداً لكن تدخل السيد اليزدي (قده) حال دون تفاقم الوضع[20]. ـ في أواخر سنة 1917م تشكلت في مدينة النجف الاشرف "جمعية النهضة الاسلامية" من قبل مجموعة من علماء الدين كان في مقدمتهم السيد محمد علي بحر العلوم (رئيس الجمعية) والشيخ محمد جواد الجزائري (نائب الرئيس) وهما اللذان وضعا الاسس الفكرية والسياسية للجمعية وحددا خطوطها العامة في التحرك والعمل على أساس العقيدة الاسلامية. وقد اعتمدت الجمعية الاتجاه الاسلامي صفة أساسية في تحديد هوية الاعضاء الذين ينتمون إليها ، لذلك لم تُدخِل في عضويتها الاشخاص من ذوي الاتجاه القومي[21]. وقد تحدد من خلال المادة السابعة من منهاج الجمعية الهيكل التظيمي لها وذلك بأن يتألف من جمعية مركزية عدد اعضائها (12) عضواً يرأسها المرجع الديني الاعلى للمسلمين. والمعروف أنَّ السيد كاظم اليزدي (قده) كان هو المرجع الديني الاعلى في تلك الفترة[22]. ـ في صباح 12 كانون الثاني / يناير 1918م اقتربت مفرزة من الخيالة الهنود من محلة العمارة فتصدى رجال عطية أبو كلل لها واطلقوا عليها النار فقتلوا احدهم وجرحوا الآخر ، ثم انسحبت المفرزة دون ان ترد على النار بالمثل. وبعد ساعات قليلة ظهرت طائرة بريطانية في سماء النجف فأطلق عليها بعض المسلحين نار بنادقهم ، وفي الوقت نفسه هجم مسلحون على مكاتب الحكومة في النجف الاشرف. وعلى أثر هذه الحادثة ذهب الى الكوفة أثنان من رؤساء النجف هما مهدي السيد سلمان وسعد الحاج راضي فقابلا بلفور وأبديا استعدادهما لدفع التعويض عن الخسائر ، وفي اليوم التالي ذهب كاظم صُبي لمقابلة بلفور الذي حدد غرامة قدرها خمسين الف روبية مع تسليم عطية أبو كلل وكريم بن سعد الحاج راضي المؤيد لعطية. فهرب عطية على أثر ذلك والتحق بالشيخ عجمي السعدون الموالي للعثمانيين ، وعلى أثر هذه الحادثة قرر البريطانيون فرض إدارتهم العسكرية المباشرة على مدينة النجف الاشرف[23]. هذا استعراض موجز وسريع لأهم الاحداث التي جرت على النجف الاشرف قبل الحركة الثورية التي تزعمها الحاج نجم البقال في آذار / مارس 1918م. والان هناك ثلاثة أسئلة مهمة ينبغي الاجابة عنها من أجل إكمال الصورة عن تحرك الثورة النجفية في آذار / مارس 1918م ، هما :
والجواب بإختصار هو إنَّ التحرك الثوري النجفي بقيادة الحاج نجم البقال في آذار / مارس 1918م لم يكن بقيادة جمعية النهضة الاسلامية ، ولم يكن خاضعاً لقيادة المرجعية الدينية في النجف الاشرف ، ولم يكن مرضياً من قبل سكان النجف الاشرف ولم يكونوا متفاعلين معه. نعم ، قد تكون هذه الاجوبة مخيبة لظن الوطنيين والاسلاميين الذين لم يطلعوا على حقائق الامور ، ولكن ما يهمنا هو أن نكشف مواطن الخلل التي حدثت في المواجهات الماضية ضد قوى الاحتلال البريطاني ولماذا فشلت كل الثورات والتحركات الثورية ضده ولم تجبره على مغادرة البلاد ! وأهم مواطن الخلل هي عدم إنقياد المسلمين إنقياداً تاماً للقيادة المرجعية ، بالاضافة لتخلل الصفوف العديد من القوميين والوطنيين الذين شتتوا العزائم الاسلامية وبلبلوا الصفوف المتراصة ضد المحتل بتبنيهم رؤى وأساليب وأفكار مخالفة لرؤية المرجعية الدينية التي لو مضت على ما خططه المراجع العظام لها لكان النصر بكل تأكيد حليفاً للمسلمين. ولذلك سوف نخوض بشيء من التفصيل في بيان أجوبتنا الآنفة الذكر :
عدم مسؤولية جمعية النهضة الاسلامية عن التحرك الثوري في / مارس 1918م : وعدم المسؤولية المشار إليه واضح من خلال الانشقاق الذي قاده الحاج نجم البقال في صفوف الجمعية المذكورة ، والمنشقون بكل تاكيد لا يمثلون الجهة التي انشقوا عنها ، لأنهم تبنوا رؤى مخالفة عنها من حيث الهيكلية التنظيمية ومن حيث القرارت. تحدث كامل سلمان الجبوري عن وجود تيارين داخل جمعية النهضة الاسلامية ، الاول على صلة بالعثمانيين والثاني لا يريد عودة العثمانيين، التيار الاول كان يريد التعجيل بإعلان الثورة ضد الانكليز لكي يتسنى للعثمانيين العودة الى حكم العراق ! والثاني كان يريد تاخير إعلان الثورة لكي يتم إنضاج الفكرة في جميع مناطق العراق لكي يكون حجم إندلاعها مؤثراً في الساحة العسكرية فضلاً عن أنهم كانوا يطالبون بالاستقلال التام للعراق بعيداً عن البريطانيين والعثمانيين[24]. وقد كان المرجع الاعلى السيد كاظم اليزدي (قده) يميل لرأي التيار الثاني[25]. وقد كان الحاج نجم البقال الذي تزعم الحركة الثورية النجفية في آذار / مارس 1918م هو قائد التيار الاول ، وقد ترأس (جمعية سرية داخل الجمعية)[26] على حد وصف الجبوري ، وهو وصف ناعم لعملية إنشقاق سرية جرت داخل جمعية النهضة الاسلامية برئاسة الحاج نجم البقال. والحاج نجم البقال أسمه نجم بن عبود بن فرج الدليمي المعروف بالبقال ، تقطن اسرته في لواء الدليم ، ولد من أب عربي من عشيرة المحامدة ومن أم عربية من عشيرة الخميسات ، وقد قطن النجف الاشرف هو وأبوه واخوته[27]. وقد ذكر الشيخ محمد الخالصي في مذكراته ما يشير الى أن عباس بن الحاج نجم البقال كان شيعياً[28]، مما قد يشير الى أن الحاج نجم البقال أيضاً كان شيعياً لاسيما وهو قد عاش في النجف الاشرف وانتسب الى جمعية إسلامية شيعيـة. وكان لجمعية النهضة الاسلامية جناح عسكري يتكون من ثلاث مجاميع : الاولى بقيادة كاظم صبي والثانية بقيادة الحاج نجم البقال والثالثة بقيادة كريم بن سعد الحاج راضي[29]. ومن الواضح أن المجموعة الثانية وحدها هي التي أشعلت نار التحرك الثوري المذكور حيث لم يرد أسم كاظم صبي او كريم بن سعد الحاج راضي ضمن أسماء المهاجمين الذين قتلوا الكابتن مارشال يوم 19 آذار / مارس 1918م وعددهم (27) ثائراً[30]. وكان الحاج نجم البقال متأثراً بالرسائل التي كان يرسلها إليه أبنه ، حيث انَّ أبنه عباس قد خرج من النجف الاشرف في 1 / 12 / 1917م واستطاع أن يفلت من رقابة الانكليز الذين كانوا يبحثون عنه لإشتراكه في الهجوم على مكاتب السلطة في أبي صخير يوم 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1917م وتمكن من الوصول الى عجمي السعدون الذي أرسله الى الموصل[31]. وكان عباس هو الوسيط بين والده الحاج نجم البقال والسلطات العثمانية وربما دون علم الجمعية ، وقد أتفق الحاج نجم البقال مع العثمانيين على تقديم ساعة الصفر لتخفيف الضغط على الجيش العثماني في شمال العراق[32]، وكانت الحرب بين البريطانيين والعثمانيين وقت تحرك الحاج نجم البقال قد استعرت في لواء الدليم ، في مناطق الرمادي وهيت وغيرها ، غير أن الذي حصل أثناء الثورة أنه في يوم 26 آذار / مارس 1918م أي بعد ستة أيام من إندلاع الثورة سلّمت القوة العثمانية في الرمادي وخفّ الضغط على الجيوش البريطانية فنقل قسم من الجيش المعبأ للرمادي الى النجف لقمع الثورة[33] ! كما انه في يوم 28 آذار / مارس 1918م أحتل الانكليز بلدة (عانة) بدون مقاومة وانهزم العثمانيون ، فأرسل بعض الوحدات الانكليزية الى النجف لإخماد الثورة[34]. إذن تحرك الحاج نجم البقال بمجموعته التي أنشقت سراً عن جمعية النهضة الاسلامية ، بغية تخفيف الضغط عن الجيش العثماني الذي كان يقاتل الانكليز في لواء الدليم ، الموطن الاصلي للحاج نجم البقال ! وهو في تحركه هذا قد انفرد بالقرار وحده ودون الرجوع لرؤساء جمعية النهضة الاسلامية على أقل تقدير أو رؤساء محلات النجف الاشرف ، لقد تحرك بقرار منفرد بمعزل عن الجميع ، وأدى تحركه لهتك حرمة مدينة النجف الاشرف وضربها بالمدافع ومقتل العشرات من الابرياء.
عدم مسؤولية المرجعية النجفية عن التحرك الثوري في آذار / مارس 1918م : يضاف لذلك أنَّ جمعية النهضة الاسلامية ـ كما ذكرنا سابقاً ـ قد وضعت في هيكلها التنظيمي أنه يتألف من جمعية مركزية عدد اعضائها (12) عضواً يرأسها المرجع الديني الاعلى للمسلمين ـ بمعنى أن يعودوا هم في قراراتهم الى المرجع الاعلى للموافقة عليها لا أن يكون المرجع جزءاً من تنظيمهم ، والفرق واضح ـ والمعروف أنَّ السيد كاظم اليزدي (قده) كان هو المرجع الديني الاعلى في تلك الفترة[35]، فإذا كانت القيادات العليا للجمعية وكذلك المرجعية الدينية ممثلة بالمرجع الاعلى السيد اليزدي (قده) لم يكونوا على علم بما يريد الحاج نجم البقال فعله ، وكانوا يرون ان هناك حاجة للمزيد من التنسيق بين مختلف ألوية العراق وعشائره وعاصمته من اجل النهوض بثورة عارمة ضد الانكليز لكي يكون تكون ثورة قادرة على دحر الانكليز وهزيمتهم بالعراق ، وليس مجرد تحرك محدود غير مجدي يؤدي الى سفك دماء الابرياء دون نتيجة هادفة. لقد تحرك الحاج نجم القال مع مجموعته التي قتلت الكابتن مارشال بمعزل عن جميع القيادات الدينية الموجودة وبمعزل عن قيادة الجمعية التي ينتمي إليها والتي إنشق بمجموعته عنها.
عدم مسؤولية أهالي النجف الاشرف عن التحرك الثوري في آذار / مارس 1918م : وبما أن تحرك الحاج نجم البقال كان بمعزل عن المرجعية الدينية والعلماء وقيادة جمعية النهضة الاسلامية التي ينتمي إليها ورؤساء محلات النجف الاشرف ، لذلك فقد كان تحركه يفتقر الى الدعم الشعبي له. بل يفتقر الى تأييد غالبية سكان المدينة ، ويؤكد هذا الامر الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته[36]. فليس بمقدور شخص واحد ليس لديه مكانة دينية أو إجتماعية مرموقة أن يجبر المئات من الناس على تأييده من خلال توريطهم بعمل عسكري ضخم ومفاجيء غير متهيئين له ! ويذهب وميض عمر نظمي الى أنه حتى القوميين العرب من اهالي النجف (مثل الشبيبي والبصير وعبد المهدي) لم يشتركوا في حركة النجف ، وقد اُعدِمَ نتيجة حركة الحاج نجم البقال (13) شخصاً ـ الصحيح (11) شخصاً ـ ونفي (122) آخرين ولم يكن بين هؤلاء أي شخص عرف بميوله القومية العربية[37] ! لقد كانت الحكمة تجانب تحرك الحاج نجم البقال والذي أودى بحياة الكثير من الابرياء من اهالي النجف الاشرف.
شروط الانكليز لإنتهاء القتال في النجف 1918م : قال حسن العلوي : (وكانت الشروط الانكليزية التي يريد السيد اليزدي الاذعان لها هي : ـ تسليم الثوار الذين هاجموا وقتلوا الكابتن مارشال الحاكم السياسي البريطاني للنجف ومن اشترك معهم في الهجوم لمحاكمتهم. وقد نشر الانكليز اسمائهم في قائمة تضم (25) شخصاً واخرى تضم (102) لغرض نفيهم الى الهند كأسرى حرب. ـ وتسليم غرامة بالف بندقية و (50) ألف روبية تجمع من أهالي النجف.)[38]. وهو إتهام كاذب من قبل حسن العلوي لأن السيد اليزدي (قده) كان من الرافضين لهذه الشروط كما يؤكد هذا كامل سلمان الجبوري[39]. ولتبيان حقيقة الامر نحتاج لذكر بعض حوادث التحرك الثوري المذكور على سبيل الاختصار والتبيين : ـ في 19 آذار / مارس 1918م ، مقتل الكابتن مارشال من قبل الحاج نجم البقال وجماعته. ـ في 21 آذار / مارس 1918م ، دعا السيد اليزدي (قده) الى إجتماع في مدرسته ضم العلماء واعيان المدينة وزعماء النجف لدراسة الموقف العام في المدينة وإيجاد الحل المناسب للازمة. وقد طلب الثوار من السيد اليزدي (قده) أن يضمن لهم ولأتباعهم العفو العام والامان التام[40]. ـ في 21 آذار / مارس 1918م ، أرسل الحاكم الملكي العام في العراق رسالة الى السيد اليزدي (قده) يبين فيها شروطه لإنهاء الازمة[41]. وهي الشروط التي ذكرناها آنفاً نقلاً عن كتاب حسن العلوي. ـ رفض الثوار شروط الانكليز ، وفي هذا الصدد يقول كامل سلمان الجبوري : (ولكن العلماء في هذه الحالة التي سيطر عليها النجفيون المسلحون من الشمرت والزكرت ، أصبحوا لا حول لهم ولا طول في هذا الشأن ، لأن الامر خرج من أيديهم خاصة وأن النجفيين جعلوا يشعرون بأن هذه المفاوضات إنما هي وسيلة من وسائل السياسة الانكليزية لتثبيط عزائمهم وتوهين موقفهم وبث الفرقة بين صفوفهم لذلك لم يمكنوا أحداً من التفاوض بأسمهم)[42] ! ـ في 22 آذار / مارس 1918م ، جمع بلفور عدداً من رجال العشائر ورجال الدين في الكوفة وأبلغهم شروط الحكومة البريطانية لإنهاء الازمة ، وهي الشروط المذكورة آنفاً ، كما ابلغهم أنه في حالة رفض شروط الانكليز فسوف تبقى النجف تحت الحصار الشديد[43]فيمنع عنها الطعام والماء إلى أن تستجيب للشروط وتنفذها بحذافيرها[44]. فرفض النجفيون هذه الشروط كما رفضها المرجع السيد اليزدي (قده) ، غير أن بعض النجفيين الموالين للانكليز قبل بها وفي مقدمتهم الزعيم السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلة الحويش[45]. وقد جرت محاولات متعددة لإقناع الثائرين على شروط أخرى أخف من تلك الشروط ولكنهم رفضوا كل شيء يسمى شرطاً[46]. وفي هذا اليوم أصابت نيران الرشاشات جماعة من الابرياء والمارّة ، فقتل بعضهم[47]. ـ 23 آذار / مارس 1918م ، حدثت مناوشات خفيفة بين الجانبين. وهجم جماعة من الفقراء على بيت السيد اليزدي (قده) يستغيثون من الجوع. وأصر الانكليز على مطالبهم المذكورة المتضمنة للغرامات وتسليم المطلوبين ، "فكان لهذه المطالب وقع سيء في نفوس سكان النجف من المجاورين والاعيان وبقية الطبقات ومنهم الوسطاء في المفاوضات ، إذ لا قِبَلَ لأحد من هؤلاء بحمل الثوار على قبول هذه المطالب كلها أو بعضها ، والثوار هم المتحكمون المتغلبون في النجف وأهل النجف منذ سنين[48]. ـ 24 آذار / مارس 1918م ، أعمل الانكليز رشاشاتهم بشدة غير معهودة طيلة النهار وقتل وجرح جماعة من الابرياء والنظارة[49]. ـ 25 آذار / مارس 1918م ، سيارات الانكليز تجوب حول النجف طيلة النهار وترمي المدينة من كل صوب ، للتخويف والتهويل ، فجرح عدد من الابرياء[50]. وفي الليل قتل وجرح جماعة خرجوا في طلب الماء بسبب شحته في المدينة[51]. وفي هذا اليوم أرسل السيد اليزدي (قده) وبقية العلماء والرؤساء برقية الى القائد العام للجيوش البريطانية مطالبين بإصدار العفو العام وإنهاء الازمة ، وأضاف السيد اليزدي (قده) علاوة على ما فيها من طلب للعفو قوله الى جانب توقيعه تأكيداً على الامر : (حسب الظاهر إنَّ إطفاء هذه الغائلة عن هذا البلد المقدس موقوف على العفو العمومي ، وفيه المصلحة)[52]. ـ 26 آذار / مارس 1918م ، تقدم الانكليز نحو الخان بإستماتة وبذل كثيراً من الضحايا للاتصال به ، وقد تم لهم ذلك[53]. وفي هذا اليوم ظهرت آثار الحصار على اللحوم والحطب حيث ارتفعت أسعارها ، وأما الخضروات فقد أنعدم وجودها قبل ذلك لأنها كانت تأتي يومياً من خارج النجف[54]. ـ 27 آذار / مارس 1918م ، وصل جواب القائد العام البريطاني وقد طالب فيه أهل النجف مساعدة البريطانيين في إيقاع العقاب بالمتمردين ، كما أصر فيه على تنفيذ الشروط البريطانية المذكورة[55]. ـ 28 آذار / مارس 1918م ، إحتلال الانكليز بلدة (عانة) وطرد العثمانيين ، وتحويل عدد من قواتهم الى القتال في النجف الاشرف[56]. ـ 29 آذار / مارس 1918م ، عقد إجتماع في دار السيد اليزدي (قده) حضره بعض أهل الحل والعقد ، وقرروا فيه مراجعة القائد العام البريطاني بلهجة اشد من الاولى[57]. ـ 30 آذار / مارس 1918م ، علماء النجف وفي مقدمتهم السيد اليزدي (قده) يرسلون برقية مشتركة الى القائد العام للجيوش البريطانية يطلبون فيها العفو عن الثوار ، وختموها بقولهم : (ولذلك فالامل فيكم أكيد بإصلاح هذه الغائلة بالتدابير الحازمة بالقريب العاجل إن شاء الله تعالى) ، ثم ذيل السيد اليزدي (قده) الرسالة مع توقيعه بان كتب : (نعم الصلاح بالاصلاح)[58]. ـ 31 آذار / مارس 1918م ، حدوث معركة كبيرة بين الثوار والانكليز. ـ 1 نيسان / أبريل 1918م ، حدوث مواجهة بين الثوار والانكليز. وعاد رسول الثوار ليخبرهم بإستحالة وصول مساعدات عشائرية لهم وبإندحار العثمانيين وهزيمتهم امام الانكليز[59]. ـ 2 نيسان / أبريل 1918م ، ورد الجواب على رسائل العلماء من الكابتن بلفور ، وكان مخيباً لآمال النجفيين[60]. وفي هذا اليوم أرسل سدنة المشهد العلوي وطلبة العلوم في النجف والزوار الغرباء رسالة ترفق بحالهم الى القائد العام والحكومة الانكليزية يشكون فيها من الحصار. وكتب "وكلاء" السيد اليزدي (قده) رسالى الى حميد خان ـ معاون حاكم النجف السياسي ـ إن السيد عازم على انتداب جماعة لمشافهة رجال الانكليز في الكوفة ، وفي عصر نفس اليوم ورد الجواب من حميد خان بأن القوم في الكوفة قبلوا ذلك وان تعيين الوقت منوط بالجماعة المنتدبين ، وأن الانكليز يشترطون أن لا يزيد عدد المنتدبين على خمسة[61]. ـ 3 نيسان / أبريل 1918م ، في صباح هذا اليوم عقد إجتماع سري من قبل رؤساء الثوار في دار الشيخ كاظم صبي ، وكانت تخيم على جوّ الاجتماع روح التشاؤم والخيبة وسوء المصير حيث قد خاب آخر امل لهم بإستمرار المقاومة لتعذر وصول المدد من خارج النجف بأي شكل من الاشكال ، لذلك جعلوا يفكرون بالحلول التي يمكن أن تتم عن طريق المفاوضات خاصة وأن ضغط الجوع والعطش وارتفاع الاسعار ونفاد كثير من المواد الغذائية الرئيسية بدأ يشتد على الناس وهؤلاء بدورهم يعكسونه على الثوار ، حيث كان الحصار محكماً تمام الاحكام ، فلا طعام ولا ماء ولا عتاد يمكن أن يصل الى النجف بأي حال من الاحوال ، فقد سدَّ الانكليز حتى قناة الآبار الشاهية التي كانت تصل بعض آبار النجف بالفرات ، وإذا علمنا إنَّ موسم إكتيال الطعام لم يحن بعد ، وأنَّ آلاف الزوّار الذين حوصروا في النجف شاركوا النجفيين بالقليل المخزون من الطعام لإنتهاء السنة الموسمية ونفاد الكيل المختزن لتلك السنة سواء في السوق أو في البيوت ، لذلك بلغ ثمن وزنة الحنطة (مائة كيلو) خمس ليرات ذهب ، اما اللحم فلم يبق في النجف أي أثر للماشية ، ومن المؤكد ان البعض اكل لحم الحمير وبخاصة الفقراء[62]. وفي هذا اليوم وصل جواب القائد العام للجيوش البريطانية على برقية العلماء التي أجاب عنها ولسن قبل إجابة القائد العام ، وقد رفض فيه تخفيف الحصار وتوعد بإجراءات أشد ضد النجفيين[63]. وفي هذا اليوم أرسل السيد اليزدي (قده) الى الثوار لغرض الاجتماع به في بيته للمداولة في موضوع الحصار الذي ضجَّ منه الناس ، وكان السيد اليزدي (قده) قد دعا جماعة من رجال الدين والوجوه وفاوضهم في الامر وقرروا أن يدعوا قادة الثورة والموالين للسلطة ليحملوهم على القبول بالمفاوضات والتسامح فيها. وبعد إجتماع الثوار مع السيد اليزدي (قده) وافقوا على التفاوض مع الانكليز والقبول ببعض الشروط ، حيث لا يمكن التفاهم بدون ذلك[64]. ـ 4 نيسان / أبريل 1918م ، توجه وفد من أهالي النجف من الموالين للانكليز والتقوا بالانكليز لغرض التفاوض ، وتردد الوفد بين الانكليز والثوار ، الى أن أدرك بلفور مدى الضعف والوهن الذي وصل إليه الثوار مما دفعه للتمادي وأصر على مطالبه السابقة وهو تسليم القتلة دون قيد أو شرط. واوفد السيد اليزدي (قده) وفداً مكوناً من : الشيخ علي كاشف الغطاء وابنه الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ جواد الجواهري والحاج محمود أغا والسيد رضا ، أرسلهم لإطلاع الإنكليز على جلية الامر ورفض الثوار لمطاليب السلطة ثم طلب منهم الرأفة بالمدينة المحاصرة ، غير أن موقف بلفور لم يتزحزح وأصرّ على ما أراد. وحينما عرف الثوار بإصرار بلفور على مطالبه أجتمعوا وقرروا الهرب وعدم التسليم بأي حال من الاحوال ، وحاولوا إختراق الحصار البريطاني والخروج من النجف لكن البريطانيين أحسوا بهم واشتبكوا معهم بقتال شديد ومنعوهم من الخروج من النجف[65]. وفي هذا اليوم خرج المندوبون الذين أرسلهم السيد اليزدي (قده) لمفاوضة الانكليز ، والذين تم الاتفاق على ارسالهم مع حميد خان يوم 2 نيسان / أبريل ، كما مرَّ آنفاً ، وهم : الشيخ جواد الجواهري والحاج محمود أغا والشيخ علي الجعفري وأبنه الشيخ محمد حسين والسيد رضا من حفدة السيد اليزدي (قده)[66]. وأيضاً فقد مات جوعاً بعض النجفيين المتكففين واستمرت أسعار الحبوب وموارد المعيشة الضرورية في ارتفاع وتعددت السرقات وتسوّر البيوت[67]. ـ 6 نيسان / أبريل 1918م ، طائرات بريطانية تلقي منشورين على مدينة النجف الاول يتضمن الشروط البريطانية الثلاثة المذكورة سابقاً لإنهاء الحصار على النجف الاشرف ، والثاني يتضمن تفاصيل إنتصارات البريطانيين على العثمانيين في الرمادي من أجل فت عضد الثوار[68]. ـ 7 نيسان / أبريل 1918م ، هجوم القوات البريطانية على التل في النجف الاشرف وتمكنوا من إحتلاله[69]. ـ 8 نيسان / أبريل 1918م ، الانكليز يقدمون قائمتين بمن يريدون القبض عليهم من الثوار[70]. ـ 9 نيسان / أبريل 1918م ، تشكلت في كل محلة من محلات النجف الاشرف لجنتان الاولى لجمع الغرامات والثانية للقبض على المطلوبين المختفين ، وكانت هذه اللجان المخرج الوحيد للإنكليز من المازق الذي وقعوا فيه ، فلو لم تشكل هذه اللجان لما خرج الانكليز من هذه الورطة بسهولة لأنهم لو دخلوا بأنفسهم وقاموا بجمع الغرامة والسلاح لعادت الحرب من جديد داخل المدينة بينهم وبين الثوار المتخفين ، حيث يظهرون من مكامنهم ويؤيدهم الناس. وفي غروب هذا اليوم ابلغ بلفور السيد اليزدي (قده) إنذاراً بأن الجيش سيقصف محلة العمارة في صباح اليوم التالي[71] ، لغرض تحذير الاهالي من التواجد في تلك المنطقة وإجبار الثوار المتخفين في المدينة على الخروج والاستسلام ، وربما كانت غاية الانكليز إخراج الثوار من أماكن إختبائهم في محلة العمارة ثم رصدهم من خلال أعوانهم الموالين لهم داخل النجف والتعرف على المكان الذي سينتقلون إليه لغرض الاختباء فيه أو القبض عليهم مباشرة وتسليمهم الى الانكليز. حيث ان الانكليز قد رصدوا مبلغ (500) روبية لكل من ياتي بأحد المطلوبين[72]. ويذكر أنَّ العداوة كانت قديمة بين عائلة السيد مهدي السيد سلمان زعيم محلة الحويش والموالي للانكليز وبين الحاج عطية ابو كلل زعيم محلة العمارة والمعادي للانكليز[73]. وقبل مقتل مارشال كان الانكليز يراقبون محلة العمارة يومياً حيث كانت هناك مفرزة هندية تتجول حول سور النجف وبخاصة من جانب محلة العمارة ، محلة الحاج عطية أبو كلل[74] ! ـ 10 نيسان / أبريل 1918م ، في الصباح الباكر من هذا اليوم كان الانكليز قد اطلقوا إحدى وعشرين إطلاقة مدفع على محلة العمارة تحقيقاً لمضمون بلاغهم الأخير ، فقتل جراء ذلك أربعة أشخاص. وبدأ إستسلام الثوار من قتلة مارشال والاشخاص المطلوبين المشتبه بهم. فأوعزت القوات البريطانية بعودة الماء الى النجف كعربون لفك الحصار عندما يستسلم جميع المطلوبين[75]. ـ 11 نيسان / أبريل 1918م ، إزداد نشاط لجان التفتيش التي تبحث عن الثوار من أجل إلقاء القبض عليهم ، وفي هذا اليوم طلب الانكليز من السيد اليزدي (قده) الخروج من النجف فرفض[76]. ـ 12 نيسان / ابريل 1918م ، القي القبض على الحاج نجم البقال وتم تسليمه الى الانكليز[77]. ـ 13 نيسان / أبريل 1918م ، سلّم سعد الحاج راضي نفسه الى الانكليز[78]. ـ 14 نيسان / ابريل 1918م ، ما زال الانكليز مستمرين في منع إدخال الغذاء الى النجف بالرغم من أن الابرياء من الفقراء قد اصبحوا في حالة يرثى لها. مع العلم بأن الغرباء والزوار لم يفرج سوى عن القليل منهم ولا يوجد من يهتم بوجودهم ويؤمن بعض إحتياجاتهم[79]. ـ 15 نيسان / أبريل 1918م ، سمح في هذا اليوم بخروج الزوار وبعض العوائل النجفية[80]. ـ 16 نيسان / أبريل 1918م ، سمحت السلطة لمن يريد أن يخرج من الزائرين الباقين ، فخرج كثير منهم كما سمحوا لبعض العوائل النجفية غير المحاربة بالخروج من النجف[81]. ـ 20 نيسان / أبريل 1918م ، قام الجياع بمظاهرة عنيفة بالميدان حيث يعسكر الجيش البريطاني في أطرافه ، بعد ان نفدت الحنطة والشعير واقفل الخبازون مخابزهم ، وقد بيعت حقّة الحنطة هذا اليوم بثمان ربيات. وفي هذا اليوم قابل بلفور السيد اليزدي (قده) في داره ، وبعد المقابلة قرر بلفور السماح لمن يرغب في مغادرة المدينة من الابرياء[82]. ـ 24 نيسان / ابريل 1918م ، ضاقت الحال الغذائية بالناس هذا اليوم فضج الجميع بالشكوى والنقمة على الانكليز ، وأمتنع بلفور عن إدخال المواد الغذائية الى النجف واشترط لذلك تسليم بقية المطلوبين[83]. ـ 28 نيسان / أبريل 1918م ، سلم كاظم صبي نفسه للانكليز[84]. ـ 30 نيسان / ابريل 1918م ، سلم الشيخ محمد جواد الجزائري نفسه للانكليز[85]. ـ 4 آيار / مايو 1918م ، تم رفع الحصار عن النجف[86]. ـ 11 آيار / مايو 1918م ، استدعى بلفور السيد محمد علي بحر العلوم وأبلغه أنه مطلوب من قبل الحكومة في بغداد ، وألقى القبض عليه[87]. ـ 13 آيار / مايو 1918م ، خرج السيد اليزدي (قده) وشيخ الشريعة (قده) الى الكوفة لأول مرة بعد بدأ التحرك الثوري[88]. يقول السيد عبد الرزاق الحسني : (وكان السيد محمد كاظم اليزدي قد رفض طلب الانكليز بمزايلة النجف ، بعد ان شددوا الحصار عليها وأذاقوا أهلها ضروب العذاب والاضطهاد ، فانتهز فرصة رفع هذا الحصار الآن وانتقل الى الكوفة كما انتقل اليها شيخ الشريعة وغيره من العلماء والاعلام الذين أبت مروءتهم إلا ان يشاطروا الأهلين آلام الحصار والعذاب)[89]. هذا ملخص باهم الاحداث التي حصلت في التحرك الثوري النجفي ، ونستعرض الآن بعض بعض ما قاله أعداء المرجعية من طعون عليها في اثناء هذا التحرك الثوري لنتبين تهافت ولا منطقية إدعاءات خصوم المرجعية : يقول حسن العلوي : (وكان بلفور حاكم الشامية الذي قمع ثورة النجف وأرسل الى الاعدام أحد عشر شخصاً من قادتها قد ابلغ السيد اليزدي بانه سيقصف مناطق النجف السكنية بالمدافع. وقد ذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي ذلك ونشر نص الرسالة التالية التي بعث بها بلفور الى السيد اليزدي:
وهذا النص الذي ذكره حسن العلوي لرسالة بلفور الى السيد اليزدي (قده) حول إطلاق المدافع هو نص غير دقيق وفيه تغيير ، حيث ذكر كامل سلمان الجبوري نص البرقية نقلاً عن مذكرات الشبيبي وهي كالآتي :
والفرق واضح بين النصين ، فحسن العلوي يريد ان يوحي للقاريء بان السيد اليزدي (قده) كان متعاوناً مع الانكليز ضد الثوار وهو كذب ، والصحيح هو ما ذكرناه سابقاً من أن الانكليز قصفوا محلة العمارة لإخراج الثوار من مخابئهم من أجل قيام الموالين لهم بالقبض عليهم ، وهناك رأي آخر للسيد سليم الحسني الذي يرى بأن الانكليز أرادوا هدم السور من ناحية محلة العمارة[92]، وربما مما يؤيد رأي السيد سليم الحسني ان الانكليز قد احضروا حين القصف المذكور بعض رؤساء قبائل الفرات الاوسط ليشهدوا أن المدفعية تقصف "باب الثلمة" دون المدينة المقدسة[93]. وهم إنما أبلغوا السيد اليزدي (قده) بذلك لكي يتم إخلاء المنطقة من الابرياء لعلمهم بحرص السيد اليزدي (قده) على حياة الناس داخل النجف. كما ان حسن العلوي لم يرغب في ذكر فضيلة السيد اليزدي (قده) في الضغط على الانكليز ونجاحه في جعلهم يدخلون الماء لأهل النجف وترخيص الزوار والمسافرين لمغادرتها ، حيث لم يرد هذا الموضوع في البرقية التي ذكرها ! وأما إدعاء حسن العلوي بأن بلفور قد أعدم (11) من قادة الثورة فهو إدعاء بعيد عن الصواب ، فقد كانت محاكمات الثوار محاكمات صورية لعبت فيها أحقاد بلفور وبعض النجفيين الموالين للانكليز دوراً هاماً في النتائج التي انتهت اليها حيث لم يحكم بالاعدام من المشتركين بقتل مارشال سوى أربعة هم : الحاج نجم البقال ومحسن أبو غنيم ـ القاتلان الفعليان ـ ومجيد دعيبل وجودي ناجي من المشاركين في الهجوم على الخان. أما السبعة الباقون المنفذ فيهم حكم الاعدام أيضاً فلم يكونوا من المشاركين ولا من المحرضين[94] ! فكاظم صبي وهو أحد الذين تم تنفيذ حكم الاعدام فيهم لم يكن له اي دور في الاحداث ولا من المؤيدين للثوار ، وقبيل مقتل مارشال شعر كاظم صبي بنوايا بعض النجفيين في تقديم ساعة الصفر للثورة العامة ضد الانكليز فقرر الابتعاد عن هذه الاجواء لتقديره بعواقب الامور الوخيمة التي سوف تحدث ، فأراد السفر الى إيران لكن بلفور لم يسمح له بذلك[95] ، ثم اندلعت الاحداث بعد قتل مارشال ، والتي أدت الى إعدام من أعدم وهو من ضمنهم ؟! وقد كان السبب الحقيقي وراء إعدامه هو حقد بلفور عليه بعد أن تبادل معه الصفعات داخل السراي في النجف الاشرف يوم 19 / 11 / 1917م[96]. وقال حسن العلوي : (وكان موقف اليزدي في الثورة واضحاً الى جانب الانكليز)[97] !؟!! سبحان الله ، فبعد كل هذه المواقف التي ذكرناها للسيد اليزدي (قده) ودفاعه عن اهل النجف ومحاولة الدفاع عن الثوار والعفو عنهم يتم إتهامه بكل برود بانه كان الى جانب الانكليز ! فما هو الدليل على هذه الفرية بحق هذا السيد العظيم ؟! هل الدليل هو ارساله المندوبين لفك الحصار عن مدينة النجف ونجاحه في توفير الماء للاهالي الذين أصابهم العطش والجوع الشديد ؟! أم الدليل هو رفضه الخروج من النجف وحده لكي لا يفسح المجال للانكليز للاستفراد بالنجف وقصفها مما يعرض حياة أهلها للموت والدمار[98] ؟! أم الدليل هو البرقيات التي كان يبعثها الى الانكليز طالباً منهم العفو عن الثوار ، البرقية الاولى بتاريخ 25 / 3 / 1918م والثانية بتاريخ 30 / 3 / 1918م[99] ؟! ويفتري حسن العلوي مرة أخرى فيقول : (وكان موقف اليزدي من ثورة النجف وثوارها قد ساعد على وأد الحركة)[100] ! وليت شعري فهل المصلحة القومية العربية تتطلب الكذب على مراجع الشيعـة لهذه الدرجة المكشوفة ؟! لقد نقلنا اهم وقائع التحرك الثوري النجفي وبيّنا قبله كيف أنفرد الحاج نجم البقال برأي إشعال نار الثورة لكي يخفف الضغط عن العثمانيين في شمال العراق ، فكانت النتيجة أن أنهزم العثمانيون أمام الانكليز وبقي هو وجماعته محاصرين دون أي نجدة من العثمانيين أو من العشائر المجاورة أو حتى أي مشاركة من القوميين العرب ـ وقد ذكرنا هذا الامر قبل قليل بصورة تفصيلية ـ الذين أداروا ظهورهم للحاج نجم البقال وثورته فلم يقولوا بحقهم ولو بيت شعر واحد ولم يكتبوا عنهم ولو مقالة واحدة في صحف ذلك الزمان ! ولم يتظاهروا أي مظاهرة حتى لو كان عدد المتظاهرين فيها عشرة أشخاص !! لم يستنكروا ولم يتحركوا أبداً. واما عشائر الشامية وغيرها من عشائر الفرات الاوسط فقد أمتنعت عن اسناد تحرك الحاج نجم البقال ، وفي هذا الصدد تحدث السيد محسن ابو طبيخ في مذكراته عن الاسباب التي منعتهم من المشاركة قائلاً : (وأثناء الحصار وردتنا رسائل متعددة من داخل النجف من أعضاء الجمعية اتذكر منهم عباس الخليلي أخ الكاتب المعروف جعفر الخليلي يطلبون العون العسكري ، وفي وقتها تذاكرت مع الحاج عبد الواحد ومرزوق العواد الذي كان في الكوفة يستطلع الوضع فاخبرنا أن القوة الانكليزية حول النجف وفي معسكر الكوفة لا يمكن مواجهتها من قبل العشائر في الوقت الحاضر نظراً لضخامة عددها وما لديها من سلاح متنوع بما فيه المدفعية الثقيلة التي يقصفون بها المدينة وان أي محاولة من جانبنا سوف تصبح المسوغ الذي ينتظرونه لإحتلال مدن الفرات عسكرياً)[101]. وبعد هذا كله يحاول اليوم بعض الحاقدين الطعن في الرجل الذي عمل جاهداً على الحفاظ على حياة الثوار وحياة جميع أهالي النجف وفك الحصار عنهم وإنقاذ المدينة المقدسة من الدمار ومن المزيد من الفتك بها. فهل يريد حسن العلوي وغيره ممن ينتقدون السيد اليزدي (قده) ويصوبون له الاتهامات الكاذبة بأن يفتي من أجل الجهاد مع تلك العصابة التي أرادت مساعدة العثمانيين فقتلت مارشال ؟! وعرّضت المدينة المقدسة واهلها لإبادة جماعية محققة ! فمتى كانت الثورات الاسلامية يقودها المتهورون والمتفردون برأيهم بدون مشورة من القيادات الفاعلة في المجتمع الذي ينتمون إليه ؟! وقد رأينا كيف ان جمعية النهضة الاسلامية كانت غائبة عن تحرك الحاج نجم البقال وقتله لمارشال ، وكذلك كان حال رؤساء المحلات النجفية ! لقد كان هناك شخص واحد فقط هو الحاج نجم البقال مع مجموعة من أتباعه لا يزيد عددهم على السبعة وعشرين شخصاً أرادوا فرض رأيهم على المجتمع النجفي كله بما فيه من قيادات مرجعية واعية وعلماء اعلام ورؤساء المحلات والجمعية الاسلامية التي ينتمي الحاج نجم البقال اليها هو وجماعته الصغيرة ؟! ثم يأتي حسن العلوي ليخبرنا بأنه كان على السيد اليزدي (قده) أن يكون في طاعة الحاج نجم البقال وإمرته وأن ينفذ له رغباته الثورية الجامحة حتى لو قادت الى دمار النجف الاشرف كلها بأهلها ومقدساتها !! هل هذا هو المنطق الذي يبحث حسن العلوي عنه !!!
حسن العلوي ودعوى التشفي المزعومة: ثم ادعى حسن العلوي إدعاءاً عجيباً آخر حين قال بان السيد اليزدي (قده) كان يمتلك مشاعر تشفي واضحة تجاه الثوار من خلال عدد من المواقف (فقد رفض ان يتشفع عند الانكليز للشيخ محمد جواد الجزائري فتم إعتقاله على مرأى ومسمع منه)[102] ، فأما موضوع رفض التشفع للشيخ الجزائري من قبل السيد اليزدي (قده) فمكذوب وليس له نصيب من الصحة. وقد رأينا كيف كان الانكليز مصرين على إعتقال جميع المطلوبين ولم يقبلوا بأي وساطة. فلماذا هذا التجني على السيد اليزدي (قده) ؟! ثم أنه قد ثبت أن السيد اليزدي (قده) قد تشفّع عند الانكليز للسيد محمد علي بحر العلوم فأنقذه من الاعدام بعد أن ضغط على الانكليز ليحولوا الحكم عليه الى النفي[103]. وكذلك كان السيد اليزدي (قده) قد تشفع أيضاً للسيد احمد بن الشيخ الآخوند الخراساني (قده) الذي قبض عليه الانكليز أثناء محاولته إجتياز الحصار خلال الاحداث فأنقذه من الاعدام[104]. وفضلاً عن ذلك كله فلا يوجد ربط منطقي بين دعوى التشفي وبين رفض التشفع ! وبصورة عامة فإنَّه قد يكون لرفض التشفع ـ على فرض ثبوته ـ أسباب اخرى منها معرفته بعدم جدواه. مع أن إتهام السيد اليزدي (قده) بأنه رفض التشفع للشيخ الجزائري هو محض كذب وإفتراء.
إفلاس حسن العلوي يدفعه لتبني تهم سخيفة: وذكر حسن العلوي إفتراءات أخرى لا نجد لها أهمية جدية من قبيل التهمة السخيفة بأنَّ السيد اليزدي (قده) رفض إصدار فتوى تمنع قتل (11) شخص مقابل شخص واحد لكي يحفظ دماء الثوار الـ (11) المحكومين بالاعدام بتهمة قتل مارشال ، وكأنما الانكليز كانوا مقلدين للسيد اليزدي (قده) ويأتمرون بأوامره !! وقد رأينا كيف أن الانكليز قد رفضوا كل البرقيات التي ارسلها السيد اليزدي (قده) اليهم للعفو عن الثوار أثناء إندلاع الاحداث. وقد أشار كامل سلمان الجبوري الى أن رفض السيد اليزدي (قده) لإصدار الفتوى المذكورة هو إشاعة ظهرت في حينها[105] ! فجاء هؤلاء وحولّوا الاشاعة الى حقيقة يتداولونها طعناً بالمرجعيـات الدينيـة الشيعيـة.
اسطورة الاحتفال يوم إعدام الثوار: ثم عمد حسن العلوي بعد اعتماده على الاشاعات الى إعتماده على "احتمالات" ليس عليها دليل فيقول : (ومن المحتمل أن الاحتفال الذي اقيم في مساء يوم الاعدام (الثلاثين من مايو 1918) في النجف الاشرف وحضره علماء ووجهاء بارزون تكريماً لبلفور الذي أشرف شخصياً على الاعدامات إنما كانت بتدبير اليزدي نفسه وقد اناب عنه احد مساعديه لحضوره)[106]. غير أن حسن العلوي لم يذكر مصدراً لهذا الافتراء الجديد ، وإلا فمن أين علم أن هناك إحتفالاً قد اقيم لبلفور ومن أين علم أن أحد مساعدي السيد اليزدي (قده) قد حضره ؟! ولماذا تعمد إغفال ذكر المصدر ؟!! وقد حاولنا تتبع قضية الاحتفال هذه فوجدنا كامل سلمان الجبوري يعتمد على جريدة العرب ، الصادرة في 8 حزيران 1918م في ذكره قصة هذه الحفلة الترحيبية بولسن وبلفور وضباط إنكليز آخرين ! وقد وردت الاسماء التالية في قصة صحيفة العرب ممن حضروا الحفل ورحبوا ببلفور من أهالي النجف :
هؤلاء التسعة هم الابطال المزعومين لقصة الحفل الترحيبي ببلفور وولسن ! والشيخ عبادي يبدو أنه الشيخ عبادي الحسين من شيوخ آل فتلة بالمهناوية[107]. علماً بأن جريدة العرب هذه هي جريدة تابعة لقوات الاحتلال البريطاني وقد صدرت في بغداد سنة 1917م بعد الاحتلال البريطاني وهي معبرة عن السياسة البريطانية[108] ، ولذلك فمن الصعب الوثوق بما تورده هذه الجريدة بدون تأكيد معلوماتها من مصادر محايدة وموثوقة. ولأن قصة الحفلة المذكورة غير موثوقة وغير قابلة للتصديق وفق الاجواء التي رويت فيها ، نجد كامل سلمان الجبوري يشكك فيها بقوله : (أما الحفلة فإنها إنْ كانت واقعة فعلاً فلا بد وأنها كانت من السرية بحيث لم يشعر بها أحد)[109] !! فأي سرية يمكن ان تصمد امام حضور أكثر من (50) شخص[110] يفترض بأنهم من كبار العلماء ورؤساء العشائر والوجهاء في النجف ، فضلاً عن حضور كبار القيادات البريطانية العسكرية وهم :
وبكل تأكيد فقد حضر مع هؤلاء المدعويين حراساتهم المكثفة مع الانتشار لجنود الجيش البريطاني في طرقات المدينة لغرض حمايتهم ، فكيف يمكن أن يكون الاجتماع سرياً !! إنَّ إدعاء وجود هذا الاجتماع على هذا المستوى من الحضور هو إدعاء غير ناهض ولا يمكن تصوره ، فإن افترضنا أن الاحتفال كان علنياً فلماذا لم يذكره أحد من المعاصرين لتلك الفترة عدا الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي ذكر وجود إحتفالين بدلاً من إحتفال واحد !؟ وإذا كان سرياً فقد رأينا إستحالة سريّته. ومن الملاحظ أن أن الاسماء التي ذكرها كامل سلمان الجبوري لشخصيات الحاضرين لهذا الاحتفال المزعوم من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر لم يذكر لها مصدراً يعتمد عليه في النقل[112] ! ثم يعود مرة أخرى في نفس كتابه فيذكر الاسماء تحت عنوان (من انباء الانكليز) ودون أن يذكر لها اي مصدر أيضاً[113] ! أما محمد رضا الشبيبي فيذكر في مذكراته أن هناك إحتفالين قد حصلا في النجف بدلاً من إحتفال واحد !! الاول عقد يوم 19 شعبان 1336 هـ = 30 آيار 1918م ، والثاني عقد يوم 30 شعبان 1336هـ = 10 حزيران 1918م[114] ! وهو الامر الذي تفرد به وحده من دون الجميع !! فذكر أن الاحتفال الاول كان تكريماً لبلفور ! والتفاصيل التي ذكرها عنه مقاربة للتفاصيل التي نشرتها جريدة العرب غير انه لم يذكر أي أسم من أسماء الحاضرين من العلماء أو التجار أو أهالي النجف عدا أسم الحاج عبد المحسن شلاش ! والاحتفال الثاني كان تكريماً للقائد العام البريطاني ، وكذلك خلت قصة هذا الاحتفال من أي ذكر لأي اسم ! ومن الملاحظ أن الشيخ محمد رضا الشبيبي قد وصف الاحتفالين وذكر من التفاصيل الدقيقة فيهما وكأنه كان احد الحاضرين فيهما ! فهل حقاً قد حضر هذين الاحتفالين ؟! ولماذا لم يرد أسمه ضمن الاسماء التي ذكرتها جريدة العرب المذكورة آنفاً ؟! وأما الدكتور علي الوردي فقد قال عن الحفلة ما نصّه : (وقد ذكرت الجريدة أسماء الذين حضروا الحفلة ، وهم كثيرون لا يسع المجال هنا لذكرهم ، ومما يلفت النظر أن من بين الذين ذكرتهم الجريدة بعض كبار الملائية الذين نستبعد حضورهم في مثل تلك الحفلة ، كالشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد ابو الحسن الاصفهاني والشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، والسيد عبد الرزاق الحلو ، وقد سألت أحد المطلعين من أهل النجف عن ذلك ، فأجاب : بأن من الممكن أن يحضر الحفلة علماء (الحفيز) أو بعض صغار الملائية أما هؤلاء فمن رابع المستحيلات حضورهم)[115]. وقد نقل الدكتور علي الوردي قصة الاحتفال عن مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي[116] ولكنه لم يشر الى أنَّ المذكرات المذكورة تذكر إحتفالين وليس إحتفالاً واحداً ، مما يعني أن الدكتور الوردي قد رأى أن تفرد مذكرات الشبيبي بذكر إحتفالين دون الآخرين الذين ذكروا إحتفالاً واحداً يضعف من أهمية هذا الاحتفال ويعطي إنطباعاً الى أنه كان إحتفاءاً وليس إحتفالاً كما بيّنا آنفاً ، مع أن الدكتور الوردي لم يشر لذلك ! وعلى اي حال فلنفترض انَّ هناك إحتفالاً قد جرى تكريماً لبلفور في نفس يوم إعدام الثوار ، فلماذا يلوم حسن العلوي السيد اليزدي (قده) مع أنه لم يحضر ولم يدعُ إليه ؟ وإنْ افترضنا أن أحد مساعديه قد حضر ذلك الاجتماع فما هو الدليل على أنه قد حضر كممثل للسيد اليزدي (قده) لا انه حضر بدافع شخصي بحت ؟ ثم اليس الاولى أن يلوم أهالي النجف الذين اقاموا الاحتفال وحضروه فعلاً بدلاً من لوم شخص لم يدعُ ولم يحضر ولم يساند ؟ ولماذا لم يتحدث حسن العلوي عن تخاذل القوميين وعدم مشاركتهم في التحرك الثوري للحاج نجم البقال[117] ، أليست عدم مشاركتهم تعني أن هناك أموراً خفية وحقائق مستورة لم تتم الاشارة إليها لو ذكرت لعرفنا أن المحتفين بالضباط الانكليز في يوم إعدام الثوار قد يكونون معذورين فيما فعلوه ؟! لماذا نجد ان تحرك الحاج نجم البقال بقي وحيداً في الساحة فلم تدعمه لا المرجعيات الدينية ولا الحركات الاسلامية ولا الحركات القومية ولا عشائر الفرات الاوسط ولا عموم اهالي النجف الاشرف ! ألا يعني ذلك لكم شيئاً ؟! ألا يعني لكم شيئاً قول السيد هبة الدين الشهرستاني في مذكراته بعد ان تم إعدام الحاج نجم البقال وجماعته : (فدفنوهم حوالي قبر أبو كشكول ، واستراح العباد والبلاد من شرّهم وطاغيتهم (فما بكت عليهم السموات والارض))[118]! وفي تقديري انه إن كان هناك شيء مما ذكروه فقد كان إحتفاء من قبل بعض النجفيين في إستقبال بعض القيادات الانكليزية ، ويبدو أنه كان إحتفاءاً حاراً ، ولا يتعدى لمستوى إحتفالية كما أدعى البعض !
علي البازركان ينكر وجود جمعية النهضة الاسلامية ! أنكر علي البازركان تعصباً منه ضد اهل النجف الاشرف أن تكون هناك جمعية اسلامية سرية في احداث ثورة النجف الاشرف ضد البريطانيين سنة 1918م ! فقال ما نصّه : (لم تكن في تلك الايام جمعية سريّة في العراق سوى جمعية الاتحاد والترقي والتي قامت بإعلان الحرب ضد الانجليز وانتهت الحرب بخيبة آمال الاتحاديين. فإذا توجد جمعية إسلامية سرية تتصل بالاتراك وتراسلهم للقيام بالثورة في البلد كما يقول الاستاذ الدجيلي ، فلماذا لم يطالب اعضاء تلك الجمعية بمناشير وتظهر الجمعية منطوق تلك المطالبة)[119]. ومشكلة علي البازركان هي في إنكار كل ما لا يعلمه ! وليته تحقق وتثبت من المطلعين على الاحداث وهم من أقرانه والمفترض أن له علاقات تعارف وصداقة مع معظمهم بحكم نشاطهم الجماعي في أثناء الثورة العراقية الكبرى سنة 1920م والاحداث التي سبقتها كما يدعي هو نفسه ! فكيف يدعي عدم وجود جمعيات سرية في العراق سوى جمعية الاتحاد والترقي ، فأين إذن ذهبت جمعية حرس الاستقلال[120]وجمعية الشبيبة[121]! وكذلك فقد ذكر وجود هذه الجمعية الاسلامية السرية ـ التي أنكر علي البزركان وجودها ـ العديد ممن كتبوا وأرّخوا لأحداث العراق قبل ثورة العشرين الباسلة ، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :
مع مذكرات السيد محمد حسن القوجاني: عند مطالعة مذكرات السيد محمد حسن القوجاني يكتشف القاريء لها كماً كبيراً من السذاجة التي كان يعيشها ويفكر فيها صاحب المذكرات المذكورة. ومن المؤسف ان نجد السيد المذكور يستعمل عبارات غير لا ئقة في مذكراته ، ويستخدم تعابير لا تليق بالمؤمنين الحسينيين ! وفيما يلي أبرز الملاحظات التي سجلناها عن مذكراته : ـ إتهم القوجاني المجاهدين بالسرقة والنهب أثناء إنسحابهم من معركة الشعيبة ، رغم انه لم يحضر الواقعة أصلاً[128]. وقد علّق كامل سلمان الجبوري على كلام القوجاني بقوله : (على الرغم من ان المؤلف لم يشترك مع العشائر المجاهدة في قتالها ، قال أسوأ كلام يقال ضد أولئك المجاهدين الذين لم يبخلوا بالغالي والنفيس في سبيل مقاومة الاحتلال البريطاني. يقول النفيسي ص89 من كتابه (دور الشيعة) : "وكان بعض رجال القبائل يبيعون ما لديهم من متاع وأثاث ـ على ما هم عليه من الفقر ـ لكي يبتاعوا بثمنه سلاحاً إطاعة للفتوى التي اصدرها المجتهد الاكبر" ، وعن المجتهدين الشيعة الذين شاركوا مشاركة فعلية في القتال قال : "إن المجتهدين لم يتقاضوا أجراً أو مرتباً كي يحاربوا ، حتى أن الاتراك لم يقدموا لهم الاطعمة ، ولم يكن هناك من نظام للتعويض على الزوجات والعيال في حال الوفاة ، وعلى الرغم من هذا كله فإنهم استجابوا للدعوة الى الجهاد وحاربوا وماتوا في ساحة المعركة")[129]. ـ وصف القوجاني الشيخ خزعل بكلام غير لائق فقال : (أما خزعل عديم الغيرة وعميل الانكليز فقد اطلق الرصاص على الجنود العثمانيين الذين حاولوا عبور شط العرب بواسطة الزوارق متجهين الى إيران ، بحجة انه لم يؤذن له بإعطائهم طريقاً للدخول الى إيران)[130]. وفضلاً عن انَّ وصفه المذكور للشيخ خزعل فيه مخالفات شرعية منها حرمة إهانة المؤمن ، فقد تعامل القوجاني مع الموضوع بسذاجة ، فالشيخ خزعل لم يكن يحمل السلاح ويحمي حدود إمارته بل كان هناك جنود مخصصون لحماية الحدود ، ويبدو انهم تفاجئوا بعبور العثمانيين اليهم فأطلقوا النار لأنه لم يكن مسموحاً لأحد ان يعبر حدود بلد آخر بدون رخصة وموافقة مسبقة. ـ يذكر معلومات مغلوطة بل عجيبة ايضاً فقال وهو يتحدث عن وفاة الجنرال البريطاني مود : (إلا ان الانكليز دفنوا الجثة النجسة لقائدهم هذا حسب المراسم الاسلامية ، واقاموا له ضريحاً أمام مرقد المعظم للامام موسى بن جعفر. كما بنوا له مزاراً كي يحرقوا قلوب المسلمين من سنّة وشيعة بل ليقتل الهم علمائهم ويموتوا كمداً)[131]. فمن العجيب والغريب أيضاً أن يتحدث عن إقامة الانكليز لمراسيم إسلامية لدفن مود ! ومن المعروف أن الجنرال مود دفن في المقبرة الإنكليزية خارج باب المعظم في الموضع الذي يسمى ( الكرنتينة) وما زالت المقبرة في محلها لحد الآن[132]. وهي منطقة بعيدة عن مرقد الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) حيث ان المرقد الشريف يقع في جانب الكرخ بينما المقبرة الانكليزية تقع في باب المعظم في الرصافة. كما إنَّه لم يكن هناك اي مزار لمود كما ادعى القوجاني ! ـ ومن شدّة السذاجة وإلتباس الامور على القوجاني انه ذكر في مذكراته عبارات مدح لمعاوية وغيره من اعداء آل البيت (عليهم السلام)[133] !! ـ وهناك اخطاء تأريخية أخرى في مذكراته ، فقد ذكر أنَّ الذين هجموا على مقر الحاكم البريطاني مارشال وقتلوه هم فقط اربعة أشخاص[134] ، والصحيح أنَّ الذين اجتمعوا وقرروا الهجوم هم (27) شخص ، ولكن تردد بعضهم لأسباب مختلفة ، ولكن الاكثرية منهم حضرت ونفذت الهجوم[135] ، وأسماء من شارك أكيداً في الهجوم هي:
ـ خطأ تاريخي آخر وهو أن السيد القوجاني ادعى بأن جميع الغرباء والزوار قد خرجوا من النجف الاشرف بعد مقتل مارشال وقبل بدأ الحصار ، فقال : (عندما بلغ هذا الخبر بلفور أغلق على الفور المدينة من الجهة التي تليه وزعق طالباً أن يخرج الزوار قبل غروب ذلك اليوم من الباب القريبة من البحر ، وأن لا يبقى أحد منهم وإلا قتل. غادر جميع الزوار من نساء ورجال المدينة قبل حلول الغروب)[137]. بينما السيد هبة الدين الشهرستاني (رحمه الله) يذكر في مذكراته أن عدة آلاف من الزوار خرجوا ولكن بقي منهم جمهور لم يرضوا بالخروج[138]. كما ان الشيخ محمد رضا الشبيبي كتب في مذكراته أنَّه في يوم 10 نيسان / أبريل 1918م رفع الغرباء والزوار رفوعهم الى الانكليز يطلبون منهم الخروج من المدينة[139]، مما يعني بقائهم في داخلها طيلة أحداث الحصار بعد مقتل مارشال. ـ ثم ذكر القوجاني فرية اخرى وهي أن السيد اليزدي (قده) اراد الرحيل عن النجف لينجو بنفسه !! وأن القوجاني قابله وتحدث اليه وبين له خطأ رحيله عن النجف وأن ذلك يخالف واجبه الشرعي !؟ ونحن نعرف ـ كما في مذكرات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قده) أيضاً ـ أن السيد اليزدي (قده) لم يفكر أصلاً بالخروج من النجف الاشرف ، وحينما طلب الانكليز منه ذلك رفض[140]. ومن السخافة الادعاء بان القوجاني هو الذي ذكّر السيد اليزدي (قده) بواجبه الشرعي !!؟
حميد حبيبان بين السذاجة والاستغباء الذاتي: والادعاء بأن الانكليز كانوا بحاجة لفتوى من السيد اليزدي (قده) لإعدام الثوار ! هذا الادعاء بحاجة لأن يستغبي الانسان نفسه بدرجة عالية لكي يصدقه ويتداوله مع الآخرين فضلاً عن أن يكتبه في مذكراته !
محمد رضل الشبيبي يتحامل على السيد اليزدي (قده): الشيخ محمد رضا الشبيبي هو شخصية لها دورها في الحكم الملكي وأحداث ما قبل ثورة العشرين ، وفي العهد الملكي الجائر أصبح عضواً في مجلس النواب ثمانية مرات من اصل ستة عشر دورة[143] ، ثم رئيساً للمجلس المذكور في العهد الملكي[144] ! وكذلك أصبح وزيراً للمعارف خمس مرّات[145] ! كتب الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته وبدا واضحاً تعصبه الشديد ضد السيد اليزدي (قده) ويبدو ان ذلك نتيجة استغراقه في الخلاف بين المؤيدين للمشروطة والرافضين لها ، حيث كان السيد اليزدي (قده) كما هو معلوم من الرافضين لها ، ويبدو ان الشيخ محمد رضا الشبيبي قد تأثر بأستاذه الآخوند الخاساني (قده) الذي كان من أبرز المؤيدين لها. فنلاحظ في مذكراته تحاملاً على السيد اليزدي (قده) واستعماله كلمات غير لائقه بإعتباره إنسان حوزوي ، مثل عبارات :"بطانة اليزدي" و"أعوان اليزدي" ، كما نجد ان الشيخ محمد رضا الشبيبي كان سيء الاستيعاب لبعض الامور مثل قوله : (إن الانكليز منذ احتلوا بغداد أخذوا يبالغون في العناية باليزدي وكلما زار احد منهم النجف اظهر أن من أعظم مهماته لقاء السيد كاظم ، فيزورونه في داره)[146]، فهو لم يستوعب أن القوة الاكثر عداءاً للانكليز هم المرجعية الدينية في النجف الاشرف. والانكليز يعلمون ذلك ولذلك كانوا حريصين على خطب ود المرجعية وعدم إغضابها ، لا سيما وهم لم يكونوا قد اكملوا إحتلال العراق في ذلك الوقت ، وقد رأوا دور المرجعية الدينية النجفية في إثارة القبائل ضدهم في فتاوى العلماء بالجهاد ضدهم ودعمهم للعثمانيين المضطهدين لهم أصلاً. ويعترف الشيخ محمد رضا الشبيبي أن الاحترام البالغ من قبل الانكليز للسيد اليزدي (قده) قد ساعده في قضاء حوائج العديد من المؤمنين من هذه الدولة المحتلة الظالمة[147]. ثم نجد ان الشيخ محمد رضا الشبيبي بدافع الحقد والحسد يذكر البرقية الثانية التي بعثها السيد اليزدي (قده) الى القائد العام البريطاني ويذكر تذييلها من قبل السيد اليزدي بقوله : (نعم الصلاح بالاصلاح) فيعلق الشبيبي على هذه العبارة بقوله : (وقد وقّع في من وقّع من العلماء السيد اليزدي ، وجرى على عادته في عدم مشاركة الجمهور ومخالفة السواد الاعظم وحب الامتياز والانفراد والهروب عن التصريح بالجمل المجملة التي تحتمل التأويل ، فكتب قبل أن يختم في البرقية هذه الجملة ـ نعم الصلاح بالاصلاح ـ وختم تحتها وكأنه يريد أن يقول : إنّه غير مسؤول إلا عن هذه الكلمة التي يحتمل فيها التأويل)[148]. وقد نقل حسن العلوي هذا القول عن محمد رضا الشبيبي بعد أن وجد فيه غايته في الطعن بالسيد اليزدي والمرجعية الدينية على لسان احد المعممين[149] ! والذي نراه أنَّ رأي الشيخ الشبيبي المذكور فيه حق وباطل ، فالحق الذي نعتقده فيه هو أنَّ السيد اليزدي (قده) أراد أن يوحي للقائد البريطاني بأنه غير مسؤول إلا عن العبارة التي ذكرها وهي طلب الصلاح بالاصلاح أي العفو عن الثوار ، ولكن الخطأ الذي وقع فيه الشبيبي هو قوله بأن العبارة تحتمل التاويل ! والعبارة واضحة في سياق ما كتب في نص البرقية ، كما أن الشبيبي نفسه قد ذكر |