بسم الله الرحمن الرحيم

أخطاء في تأملات كامل النجار - مصادر القرآن ... ( 3 )

 

نبيـل الكرخي

 

وقال الدكتور النجار : [(فنزلت الآيات المكية تباعاً تنفي أن يكون النبي شاعراً أو كاهناً، فنزلت سورة الشعراء وبها 227 آية تحكي قصص الأنبياء من موسى ونوح وغيرهم، وبها ثلاثة آيات فقط تذكر الشعراء: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادي يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون " (224-226) ومع ذلك سُميت السورة باسم الشعراء لتؤكد كراهية الإسلام للشعر والشعراء.)] ، فتوهم الدكتور كامل النجار تسمية السورة نزلت معها وهو خطأ ، لأن المسلمين هم الذين أطلقوا أسماء السور عليها كما ذكرنا ذلك اكثر من مرّة. وأما أدعاء كراهية الاسلام للشعر والشعراء فهو كلام متهافت ولا يلتفت إليه أصلاً ، فالاسلام حارب كل ظاهرة هدّامة في الشعر وغيره ، وأسند كل ظاهرة بنّاءة في الشعر وغيره. وقد كان الصحابي حسان بن ثابت يدعى شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله) ، كما أنَّ كعب بن زهير قد أنشد قصيدته البردة في حضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهناك ديوان شعر منسوب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مليء بالحكم والمواعظ. وأمثلة عديدة أخرى تدل على دعم الاسلام للشعر البنّاء ورفضه للشعر الهدّام.

 

وقال الدكتور النجار : [(وكذلك نجد: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكرٌ وقرآنٌ مبين " (يس 69). وكذلك: " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعرٌ فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون " (الأنبياء 5). وكذلك: " فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعرٌ نتربص به ريب المنون " (الطور 1920). وأخيراً: " وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون " (الحاقة 41).)] ، فليس في هذه الآيات كما هو واضح أي كراهية من قبل الاسلام للشعر او الشعراء على النحو الذي ادعاه الدكتور النجار.

 

وقال الدكتور النجار : [(ولتكتمل فكرة كراهية الإسلام للشعر والشعراء، روى أهل الحديث أحاديث كثيرة عن النبي تُبّخس الشعر والشعراء. فقد روي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا) وفي الصحيح أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشطان - لان يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا).  وروى الطبراني في معجمه الكبير: " حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ثنا محمد بن منصور الجواز المكي ثنا يعقوب بن محمد الزهري ثنا أبو صخر واصل بن يزيد السلمي ثم الناصري حدثني أبي وعمومتي عن جدي مالك بن عمير أنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وخيبر والطائف وكان رجلا شاعرا فقال يا رسول الله أفتني في الشعر فقال لأن يمتلىء ما بين لبتك إلى عاتقك قيحا خير من أن يمتلىء شعرا قلت يا رسول الله امسح على رأسي فوضع يده على رأسي فما قلت بعد ذلك بيت شعر ".)] ، فهذا نموذج من المنهج الالتقاطي للدكتور النجار ، فهو يلتقط أحاديث تدل على نبذ الشعر غير انها في حقيقتها تتحدث عن الانواع المشمولة بقوله تعالى : (( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون )) ، ويترك الاحاديث المنسجمة مع قوله تعالى : (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا )) ، ثم يدعي بعد ذلك كراهية مزعومة للاسلام تجاه الشعر والشعراء .

 

وقال الدكتور كامل النجار : [(ويقول المفسرون: عندما نزل الوحي على النبي لأول مرة خاف منه النبي وظن أنه قد أصابه مسٌ  من الجنون فكاد يقتل نفسه ثم قال: " ولم يكن من خلق الله أحدٌ ابغض إليّ من شاعرٍ أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبعد – يعني نفسه- لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً! لأعمدن إلي حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن.")] ، ولم يذكر الدكتور كامل النجار مصدر هذه القصة ولا من من المفسرين قد ذكرها ، فترك كل شيء مبهم ، وهذا هو "أسلوبه العلمي الرصين" ! وقد عثرت على هذه الرواية في تاريخ الطبري وهي مروية عن عبيد بن عمير الليثي وهو من التابعين ، فكيف يروي هذه القصة في بدء نزول الوحي وهو لم يكن مولوداً حينذاك ! وزيادة على هذا فإنّ والده وهو عمير بن قتادة الليثي يبدو أنه من الطلقاء أو من الذين دخلوا في الاسلام بعد فتح مكة ، حيث جاء في تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني ج5 ص239 أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة وجد عند عمير بن قتادة الليثي خمس نسوة فقال ( فارق احداهن ) ، فعلى هذا التقدير فحتى والده الذي يعد من الصحابة لم يكن قد حضر أحداث بدء الوحي ، وبقي كافراً حتى فتح مكة حين أسلم آنذاك وأصبح من الطلقاء.

 

وقال الدكتور النجار : [(وقد هجا عدد من الشعراء رجالاً ونساءً النبي فأمر بقتلهم، منهم أبو عفك، ذلك الرجل المسن الأعمى الذي هجا الرسول فقال لأصحابه " من لي بهذا الرجل ؟ " فتطوع أحدهم وتسلل إلى فناء دار الشاعر الأعمى ليلاً وقتله. ثم عندما هجا كعب بن الأشرف النبي قال: " من لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله ؟ " فقتلوا كعب بن الأشرف.  وعندما جاء اليهود إلى النبي يشكون قتل كعب قال لهم: " إنه لَو قَرَّ كما قَرَّ غَيرُهُ ممَنْ هُوَ عَلى مِثْل رَأْيِه مَا اغْتِيَل ولَكنهُ نَال مِنَّا الأذى، وَهَجَانَا بالشِّعر، ولَم يَفْعَل هذَا أحدٌ منكُمْ إلاَّ كانَ السّيف ". والشاعرة عصماء بنت مروان قالت شعرأً هجت به النبي فأمر بقتلها، فقتلها عُمير بن عدي، فقال النبي: " لا ينتطح فيها عنزان ")] ، فأبو عفك كان يهودياً وعصماء بنت مروان وكعب بن الاشرف أستغلوا التسامح الاسلامي وكونوا طابوراً خامساً داخل الدولة الاسلامية يهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشعر وهجائهم له ليس شخصياً بل من حيث وظيفته النبوية ، فهجائهم له هو هجاء للإسلام وللتوحيد الحقيقي في الارض ، فكان موقفهم عدائياً ومخالف لكل المواثيق التي عقدها المسلمون مع اليهود. مع اننا لا نسلّم بصحة جميع الروايات التي ذكرت هذه القضايا.

ومن المبالغة تسمية هؤلاء بالشعراء ، فليس كل من قال شعراً يحسب الى مصاف الشعراء العظام كأصحاب المعلقات او النابغتين او لبيد بن ربيعة. فلم يعرف لهؤلاء ـ الذين يسميهم الدكتور النجار بالشعراء ـ شعر معتبر في هدفٍ آخر غير هجاء الاسلام.

 

وقال الدكتور النجار : [(والشاعر كعب بن زهير بن أبي سُلمى كان قد بعث أخاه جُبير إلى مكة ليستطلع له أخبار النبي، فأسلم جبير، وعندما بلغ كعب خبر إسلامه قال قصيدةً طويلة منها:

سقاك بها المأمور كأساً رويةً ****فأنهلك المأمور منها وعلكا

وبما أن كلمة المأمور في تلك الأيام كانت تعني الشاعر الذي يأمره الشيطان بقول الشعر، أهدر النبي دمه وأمر بقتله وقطع لسانه.)] ، فأما الامر بقطع لسانه فلا نعلم من أين جاء الدكتور النجار به ! وليته يشير الى مصدره ! وكذلك فإنَّ الدكتور النجار لم يكمل بقية القصة وكيف ان كعب بن زهير تاب واتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعلن اسلامه فعفا عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله).

 

وقال الدكتور النجار : [(وكان عدد الشعراء الذين هجوا النبي أو امتنعوا أن يقولوا شعراً يُمجّد الإسلام كبيراً، فأمر النبي بقتلهم)] ، وهذا أدعاء باطل فال