|
|
||
بسم الله الرحمن الرحيم
مختصر التجنـي الأكبـر للسيـد حسـن شُبّـر
الحمدُ للهِ ربِ العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد وآله الطاهرين لقد وجدنا ان الظرف السياسي الخاص الذي يمر به العراق الجريح غير مهيّأ للتحدث بصراحة عن تأريخ الحركة الإسلامية العراقية في الستينيات من القرن العشرين الميلادي لذلك عمدنا إلى حذف فقرات مهمة من هذا الكتاب على أمل نشره تاماً في المستقبل إنْ شاء الله سبحانه
المقدمة : كان الدافع الرئيسي المسبب لكتابة هذا الرد على الكتيب سيء الصيت للمحامي حسن شبَّر المسمى "الرد الكريم على السيد محمد باقر الحكيم" هو أمرين : الأول : دفع التجني الذي قام به حسن شبَّر تجاه شخص الشهيد الحكيم (قده) مستخدماً أساليب ملتوية منها تلاعب بالألفاظ وإستغفال المؤمنين وطمس للحقائق ، فوجدنا وجوب إظهار الحق وإبطال الباطل ، وفاءاً منَّا للتاريخ الجهادي المشرف للسيد الشهيد الحكيم (قده). الثاني : تصحيح الأخطاء التي ذكرها حسن شبَّر في خصوص مسيرة الحركة الإسلامية العراقية وتوضيح الحقائق التي جرت عليها مسيرة تلك الحركة ، وبيان بعض ملابسات عملها ، بما يمكن الأجيال القادمة من فهم حقيقة ما جرى من أحداث تناولها هذا الرد ، فتكون رؤيتهم لها واضحة وحقيقية وبذلك يتمكنون من الوصول إلى نتائج صحيحة في القادم من المسيرة ، حين يتجنبون أخطاء الماضي بعد معرفتها طبعاً. ولم يكن الغرض من هذا الـرد هو التشهير بأحدٍ ما سواء كـان حسن شبَّر أو غيره وسـواء ذكرنا بعض الحقائـق التي تمس شخصه أو لم نذكرها لأن تصديه هو وغيره للعمل الإسلامي وإقحام نفسه في تقييم وتصحيح أفكار الآخرين (كما فعل في الرد الكريم) جعل من حقنا أن ننتقده بمكانته التي هو عليها لا بشخصه ، كما لم يكن مقصودنا هو الوقوف ضد أي جهة حزبية أو التشهير بها سواء كانت الجهة هي حزب الدعوة الإسلامية أم غيرها. وأما الشهيد الحكيم (قده) فإن دفاعنا عنه في هذا الرد لا يعود إلى إنتمائنا للتنظيم الذي كان يترأسه (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) ونحن لم ننتم إليه مطلقاً ولا لغيره من التنظيمات والأحزاب الإسلامية ، بل دفاعنا عن الشهيد الحكيم (قده) يعود لما يمثله من قيمة عليا وتاريخ ناصع في حركة الأمة نحو التخلص من الظلم والطغيان الذي حلَّ بها في ظل النظام العفلقي المقبور ، ولأن الشهيد الحكيم (قده) يُعد المنظّر الأول للنظريات الإسلامية السياسية بعد ان أستلهم أسسها من أستاذه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) ، فالشهيد الحكيم (قده) يحمل فكراً ومنهجاً لجميع المؤمنين وهو ليس حكراً على ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ) ، فالمرجعية السياسية التي كان الشهيد الحكيم (قده) يمثلها والمنظوية تحت جناح الولي الفقيه تارة والمرجع الأعلى تارة أخرى ـ بحسب متطلبات العمل الإسلامي ـ هي مرجعية سياسية تعمل لصالح جميع المؤمنين وليس المجلس الأعلى فحسب ، فلجميع المؤمنين الحق في الشهيد الحكيم (قده) وليس ( المجلس الأعلى ) فقط. فهذا الرد نضعه بين أيدي المؤمنين عسى أن نكون قد أصبنا الصواب فيه ، فهو هدفنا الأسمى الذي نسعى إليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المؤلف رجب 1425هـ
الدعاة والدعوة من الملفت للنظر محاولة بعض الباحثين في تاريخ الحركة الإسلامية العراقية توجيه مسيرة الحركة الإسلامية وإقحامها في الأتجاهات التالية :
الإتجاه الأول : إن حزب الدعوة الإسلامية هو الحزب الوحيد الذي عمل على تفعيل الحركة الإسلامية أو هو الحزب الأكثر فاعلية على أقل تقدير وإنه لم يحدث أي نشاط إسلامي أوفعالية حركية إلا ولحزب الدعوة الإسلامية الدور الوحيد أو الرئيسي على أقل تقدير فيها إبتداءاً من سنة 1958م. يقول حسن شبَّر : ( والحكيم يعرف جيداً كم هو تأثير حزب الدعوة الإسلامية في العراق ، كيف كان العراق قبل جيل الدعوة وكيف أصبح ؟ )[1] ، ويستشهد بكلام للسيد مرتضى العسكري (حفظه الله) ينسب فيه لحزب الدعوة الإسلامية الدور في التأثير في العراق كله فيقول : ( لقد كان الجو ملائماً للحركة (للدعوة) كان العدد قليلاً ، أولئك الذين يقررون شيئاً واحداً فينطلق العراق كله بهذا الصدد)[2] ، ويستشهد بكلام الأستاذ علي المؤمن الذي قال : ( أما حزب الدعوة الإسلامية فإنه برغم الأوضاع الصعبة السائدة في العهد القاسمي فقد ساهم في تعبئة الجماهير المؤمنة ضد المد الماركسي والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى ، وبذل جهداً كبيراً من أجل نشر الفكر الإسلامي وتحصين الأمة بالثقافة العقائدية الدينية من خلال مختلف النشاطات كإصدار الكتب والمجلات وإقامة الإحتفالات والندوات والدروس وغيرها من مظاهر التوعية الإسلامية ، وذلك من خلال الواجهات الدينية المتعددة التي توحي بأنها تعمل بشكل مستقل وفردي ، كما عمل الدعاة في إطار برامج الحوزة والمرجعية الدينية وساندوهما بمختلف الوسائل ، فحين طرحت حكومة قاسم قانون الأحوال الشخصية والقرارات الأخرى المنافية للشريعة الإسلامية بادر الدعاة للمساهمة في إستنفار الجماهير لمؤازرة المرجعية وطالبوا بتطبيق القانون الإسلامي بدلاً عن القانون المعلن )[3]. بيان خطـأ الإتجاه الأول : ينبغي أن نعلم أن هناك الكثير من التنظيمات الإسلامية التي سبقت حزب الدعوة الإسلامية في الظهور والنشاط وتنظيمات أخرى عاصرته في الظهور والعمل والنشاط نذكر منها : 1. منظمة الشباب المسلم (1940 ـ 1985)م. 2. منظمة المسلمين العقائديين (تأسست سنة 1954م). 3. منظمة شباب العقيدة والإيمان (تأسست سنة 1957م). 4. حركة الرساليين الطلائع (ظهرت في الستينييات). 5. حركة المرجعية (ظهرت في الستينيات). 6. جماعة العلماء في النجف الأشرف (تأسست سنة 1958م). 7. جمعية الصندوق الخيري الإسلامي (تأسس سنة 1958م). 8. جماعة العلماء في بغداد والكاظمية ( تأسست سنة 1965م). 9. جمعية التضامن الإسلامي (في الناصرية). 10. جمعية دار الرسالة الإسلامية (تأسست سنة 1966م). 11. جمعية الوعظ والإرشاد الحسيني (في الكوفة). 12. الجمعية الخيرية الإسلامية. 13. مدارس حفظ القرآن في كربلاء المقدسة. 14. جمعية المبلغين في كربلاء المقدسة. 15. الجمعية الثقافية الإجتماعية الإسلامية. 16. جمعية العدالة الإسلامية (تأسست سنة 1965م)[4]. وعدد آخر من الجمعيات والمنظمات الإسلامية ، فحزب الدعوة الإسلامية كان رقماً يضاف لهذه الأرقام وليس هو الرقم الوحيد. هذه الجمعيات والمنظمات والأحزاب بدأت نشاطها أو فعّلته بصورة متزامنة مع بروز مرجعية المغفور له آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قده) في أواسط الخمسينيات ، فهل يصح أن يتم سلب ثمرات عمل هذه الجمعيات والمنظمات وتأثيرهاالبالغ في المجتمع العراقي وإعتبارذلك كله من نتاج حزب واحد هو حزب الدعوة الإسلامية ؟! ولا بد إنَّ القاريء يلمس المبالغة في كلام السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) آنف الذكر ، وكذلك في كلام الأستاذ علي المؤمن صاحب سنوات الجمر الذي أشار بدوره إلى دور حزب الدعوة الإسلامية إلى ( تعبئة الجماهير المؤمنة ضد المد الماركسي والتيارات الفكرية والسياسية الأخرى ) إلى آخر كلامه الذي ذكرناه آنفاً ، غير أنه عاد ليؤكد عمل الدعاة من خلال الواجهات الدينية المتعددة كالحوزة والمرجعية ، وكذلك دور الدعاة في إستنفار الجماهير ضد قوانين عبد الكريم قاسم المذكورة ، بل إنَّ هناك الكثير من الوقائع التي تثبت إنَّ حزب الدعوة الإسلامية كان يُستَنْفَر من قبل الجماهير المسلمة ويسير في ركابها ويستثمر الأجواء التي تهيئها لها الجماهير المسلمة ، فعلى سبيل المثال بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران قامت جماعات من المؤمنين بتأثير الثورة وهم من غير المنتمين لحزب الدعوة الإسلامية قاموا بأعمال مختلفة من قبيل توزيع المنشورات والكتابة على الحيطان ورفع اللافتات التي تحمل شعارات سياسية وتعليقها على مفارق الطرق والساحات العامة ، وهي نشاطات عمَّت العراق بأسره خلال تلك الفترة. وقد شكَّلت هذه الظاهرة سنداً لفكرة (إحماء الساحة) التي تبناهـا الشهيد محمد هادي السبيتي الرجل الأول في حزب الدعوة الإسلامية[5]، وبذلك نجد إنَّ الجماهير المؤمنة هي التي كانت تقوم بتحريك وتهيئة الأجواء لحزب الدعوة الإسلامية للقيام بالفعاليات نفسها إنطلاقاً من المبدأ الذي تبنـاه حزب الدعوة الإسلامية وهو : ( إنَّ على الدعوة أن لا تسبق الأمة وأن لا تتخلف عنها في الوقت نفسه )[6]، وإنَّ هذا المبدأ ينطبق على مسيرة حزب الدعوة الإسلامية بل هو الدالة الحقيقية على طبيعة تلك المسيرة. وبذلك نتوصل لنتيجتين : الأولى : إنَّ حزب الدعوة الإسلامية كان يستثمر الأجواء التي تهيئها له المرجعية الدينية العليا والجماهير المؤمنة المرتبطة بالمرجعية المذكورة من خلال فعالياتها الإسلامية. الثانية : إنَّ الدعاة أنفسهم كانوا يأتمرون بأوامر المرجعية العليا بإعتبارهم مؤمنين ملزمين شرعاً بإتّباعها في الأحكام الشرعية التي تشمل نواحي الحياة المختلفة ، فمن الخطأ إعتبار كل ما يصدر عن الدعـاة هو من ثمرات حزب الدعوة الإسلامية ، وهو الأمر الذي سنناقشه مفصلاً في (بيان خطأ الإتجاه الثاني).
الإتجاه الثاني : إنَّ الدعاة (إصطلاح يطلق على المؤمنين المنتمين لحزب الدعوة الإسلامية) لا يطيعون سوى توجيهات القيادة الحزبية ولا يعملون إلا وفق رؤى قيادتهم الحزبية وإنهم منقطعون عن إطاعة المرجعية العليا التي هي مرجعهم في التقليد ، فتصرفاتهم كلها محسوبة لصالح الحزب المذكور. ولذلك نجد حسن شبَّر ينسب الدور والنشاط الذي يقوم به الدعاة إلى حزب الدعوة الإسلامية ويعتبره من ثماره رغم إن الحزب المذكور لم تصدر عنه توجيهات للدعاة للقيام بمثل ذلك الدور والنشاط ، ونجد هذا الخطأ أيضاً في كلمات علي المؤمن صاحب سنوات الجمر[7]. بيان خطأ الإتجاه الثاني : يغفل بعض الباحثين إنَّ الدعاة هم مؤمنون ملتزمون بتطبيق الإسلام المحمدي ، وأول ما يقوم به المؤمنون هو رجوعهم في أمر التقليد إلى المجتهد الجامع للشرائط ، وسواء كان المؤمن منتمياً لحزب الدعوة أو لغيره من الأحزاب والجمعيات الإسلامية أو مستقل فهو ملتزم أولاً بمسألة التقليد ، لذلك فإن التفاعل الأول للمؤمنين هو مع المرجع الديني وله ولائهم الأول لأنه هو مصدر معرفة الأحكام الشرعية أما الحزب فلا يستطيع أن يحل محل المرجع الديني في هذا الأمر ، فالمرجع الديني إذن هو واسطة المؤمنين لسلوك الطريق المؤدي إلى الله عزَّ وجل وليس الحزب ، لذلك نجد الدعاة يتطوعون دائماً للعمل لدعم المرجعية الدينية وبدون أي توجيه من حزب الدعوة الإسلامية كما هو حال المؤمنين جميعاً ، ومن شواهد ذلك الآتي : 1. قال حسن شبَّر : ( إنَّ كثيراً من الدعاة كانوا قد أعتقلوا نتيجة لتوزيعهم بيانات علماء بغداد والكاظمية إستنكاراً للأشتراكية )[8]. فما هو شأن الدعاة ببيانات علماء بغداد والكاظمية ؟ إنَّ الذي دفعهم لذلك ـ رغم عدم توجيه حزب الدعوة لهم ـ هو إنَّ مرجعهم الديني ( السيد محسن الحكيم (قده) قد أصدر فتوى بتحريم الإشتراكية فوجدوا إنَّ من واجبهم الترويج لتلك الفتوى ودعمها ، وحيث إنَّ بيانات علماء بغداد والكاظمية كانت تعبر عن رأي المرجعية العليا ـ بسبب الدعم المباشر الذي تتلقاه تلك الجماعة من السيد محسن الحكيم (قده) ـ لذلك لجأ الدعاة إلى الترويج لها. 2. إنَّ كثيراً من وكلاء السيد محسن الحكيم (قده) كانوا من الدعاة ، فمنهم السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) والشيخ عارف البصري (رحمه الله) وغيرهما كثير. 3. قيام الدعاة من طلبة العلوم الدينية بجمع حوالي خمسين طالباً من مختلف الجنسيات وذهبوا إلى دار السيد محسن الحكيم (قده) عندما اعتزل في الكوفة بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها سنة 1969م من قبل السلطة العفلقية في إتهام نجله السيد محمد مهدي الحكيم (قده) بالجاسوسية ، ولا شك فإن فعل الدعاة ذلك يعتبر تحدياً قوياً للسلطة التي ضربت حصاراً حول داره[9]. وكيف لا يفعلون ذلك وهو مرجعهم الديني وواسطتهم لمعرفة أحكام الشريعة ؟! 4. بعد إصطدام النظام العفلقي المقبور مع مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) سنة 1969م أشتعلت مدينة البصرة بالتظاهرات ثلاثة أيام متوالية وكان بين المتظاهرين آلاف المسلمين من أبناء العشائر وغيرهم ، ثم خرجت تظاهرات مسلحة في الناصرية والرميثة والفاو والحي وغيرها الأمر الذي شجَّع تنظيم (الدعوة) في البصرة على طرح فكرة عصيان مدني في كل العراق ، إلا إنَّ الظروف العامة والأمكانات وطبيعة المرحلة التي يمر بها الحزب ـ كان حزب الدعوة يمر بالمرحلة التغييرية (الثقافية) ـ لم تسمح لقيادته بالإستجابة للفكرة وتنفيذها[10]، فالدعاة أرادوا نصرة الدين بنصرة مرجعهم الديني غير إنَّ قيادة الحزب المذكور وجدت الظروف غير مؤاتية الآن للتحرك المذكور.
هذه بعض الأمثلة على ما قدّمنا إليه من إنَّ معظم نشاطات وفعاليات الدعاة في نصرة المرجعية الدينية العليا لا تحسب لحزب الدعوة لأن التوجيهات بقيامهم بتلك النشاطات لم تصدر عن قيادة الحزب المذكور بل هي نشاطات وفعاليات أملتها عليهم واجباتهم الشرعية تجاه مرجعهم الديني.
الأتجاه الثالث : إنَّ هناك إنسجام وتناغم تام بين مرجعية الشهيد الصدر (قده) وبين قيادة حزب الدعوة الإسلامية منذ تأسيس الحزب المذكور وإلى إستشهاد الشهيد الصدر (قده) وإنّ الشهيد الصدر (قده) هو راعي الحزب المذكور والمنظر له وإلى يومنا هذا. يقول حسن شبَّر : ( وتأثير حزب الدعوة لم يقتصر على داخل العراق فقط ، فإن الصحوة الإسلامية التي نراها ونسمع بها اليوم في كثير من المناطق مدينة لحزب الدعوة الإسلامية الذي كان يحمل مشعل الشهيد الصدر )[11] ، ثم ينسب بكلاماً بعيداً عن الصواب للسيد مرتضى العسكري (حفظه الله) يقول فيه : (إنَّ الشهيد الصدر خرج من الدعوة ظاهرياً بناءاً على طلب السيد الحكيم ولكنه بقي مع الدعوة إلى آخر لحظة من عمره )[12]، مع إنَّ السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) قد أنسحب من قيادة حزب الدعوة الإسلامية سنة 1963م ليتمكن من ممارسة دوره السياسي العلني المنسوب إليه من المرجعية الدينية[13] ، ثم غادر العراق إلى إيران سنة 1969م مما يجعل إحتمالية رؤيته الضبابية إحتمالية معتد بها حول حقيقة التحرك الإصلاحي للشهيد الصدر (قده) والذي أنتهى بإستشهاده سنة 1980م. بيان خطأ الإتجاه الثالث : صحيح إنَّ الشهيد الصدر (قده) قد أسس حزب الدعوة الإسلامية بالإشتراك مع ثلة من المفكرين الإصلاحيين ، إلا إنَّه إنسحب من الحزب المذكور سنة 1960م واتجه للعمل الحوزوي ودعم مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) ، ولا تصح محاولة بعض الباحثين إدعاء الإنسجام أو التواصل بين مرجعية الشهيد الصدر (قده) والحزب المذكور وسأذكر خمسة شواهد على عدم صحة إدعاء التواصل أوالإنسجام المذكور. 1. لم يثبت إتصال الشهيد الصدر (قده) بقيادة حزب الدعوة الإسلامية على نحو الإنسجام والتواصل منذ إنسحابه من الحزب المذكور سنة 1960م وحتى سنة 1979م ، ولم يدَّعِ أحد ذلك بدليلٍ مقبول ، وكان الشهيد الصدر (قده) يتصل في أغلب الأحيان ببعض الدعاة ممن لهم علاقة شخصية به[14]. 2. رفض الشيخ عارف البصري (رحمه الله) طلب الشهيد الصدر (قده) بإصدار قيادة حزب الدعوة الإسلامية بلاغاً إلى التنظيم الخاص (حزب الدعوة) يطلب منهم فك الإرتباط مع جميع طلاب ومدرسي الحوزة والوكلاء[15]، بمعنى ترك طلاب العلوم الدينية في الحوزة العلمية الإنتماء ل حزب الدعوة الإسلامية. 3. رفضت قيادة حزب الدعوة الإسلامية سنة 1971م سحب الأسس التي تقوم عليها نظرية الحزب ـ والمستندة إلى آية الشورى ـ من التداول حين طلب الشهيد الصدر (قده) منها ذلك لأنها لم تقتنع بمبدأ ولاية الفقيه الذي تبناه الشهيد الصدر (قده)[16]. 4. تمسك قيادة حزب الدعوة الإسلامية بالمبدأ القائل بقيادة الحزب للأمة مع الإستفادة في ذات الوقت من المرجعية كواجهة للعمل الإسلامي[17]، في حين كان الشهيد الصدر (قده) يرى ( إنَّ المرجعيـة الصالحة هي القيادة الحقيقية للأمة الإسلامية وليس الحزب ، إنما الحزب يجب عليه أن يكون ذراعاً من أذرع المرجعيـة وتحت أوامرها )[18]. 5. منذ وفاة السيد محسن الحكيم (قده) وإبتداء مرجعية السيد الخوئي (قده) التي أتخذت منهج الصبر والصمود في مواجهة العدوان العفلقي ، وجدت قيادة حزب الدعوة الإسلامية نفسها وحيدة في مواجهة النظام العفلقي لأن مرجعية الشهيد الصدر (قده) سارت ضمن منهج مرجعية السيد الخوئي (قده) في الصبر والصمود حتى سنة 1979م ، وهذا ما دفع قياديين في حزب الدعوة الإسلامية إلى التصريح بأن قيادة الساحة الإسلامية هي من حق من يتصدى لها وهو حزب الدعوة الإسلامية وليس مرجعية السيد الخوئي (قده) ولا مرجعية الشهيد الصدر (قده) ، ولذلك ظهر عند قيادة الدعوة مفهوم ( يتحمل قيادة الساحة من يتصدى لها ) و ( يتحمل قيادة الساحة من يبقى فيها )[19]، في حين كان الشهيد الصدر (قده) يرى ( إنَّ المرجعية الصالحة هي القيادة الحقيقية للأمة الإسلامية وليس الحزب ) كما ذكرناه آنفاً في النقطة ( 4 ) أعلاه ، ومعنى ذلك وجود إختلاف جذري بين رؤية مرجعية الشهيد الصدر (قده) وبين رؤية قيادة حزب الدعوة الإسلامية طيلة سنوات السبعينيات الميلادية من القرن الماضي ، لأن الشهيد الصدر (قده) يعتبر منهجه في الصبر والصمود قبل إنتصار الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م ـ والذي هو منهج السيد الخوئي (قده) أيضاً ـ هو في حد ذاته تصدي لقيادة الأمة في حين يعتبر حزب الدعوة الإسلامية التصدي الثوري هو التصدي المطلوب ولا يفهم سواه ! ومن سمات منهج الشهيد الصدر (قده) في الصبر والصمود طيلة فترة السبعينيات منذ وفاة السيد محسن الحكيم (قده) سنة 1970م وحتى قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م هو : أولاً: محاولته تهدئة الثوار في إنتفاضة صفر سنة 1977م حتى لا يفسر موقفه بأنه ( موقف مخالف ومعادي للسلطة ومؤيد للثوار )[20]. ثانياً: إصدار الشهيد الصدر (قده) حكماً فقهياً بعدم جواز مس مقام المرجعية العليا[21] ، ومنهج المرجعية العليا معروف لكل أحد وهو منهج الصبر والصمود. ثالثاً: شهـادة أحد المعاصرين للشهيد الصدر (قده) حول طبيعـة منهج الشهيد الصدر (قده) في ذلك الوقت ، وهو الشهيد الحكيم (قده) الـذي ذكر إنَّ ( الشهيد الصدر (قده) عـاش فترة تقرب من تسـع سنوات ـ (1970م ـ 1979م) ـ وهي شبيهة بالفترة التي كانت بين وفاة الإمام الحسن عليه السلام وثورة الإمام الحسين عليه السلام فهي مقاربة تماماً من حيث الزمن و الشهيد الصدر (قده) كان موجوداً ولم نعرف منه تلك الثورة التي عرفناها في أيامه الأخيرة ، وقد كان فكره وفهمه ومعرفته لكل الأشياء قائماً وموجوداً ، لأن الموقف السياسي يشبه موقف الإمام الحسن عليه السلام حتى تبدلت الأوضاع وتغيرت )[22].
ثم ننتقل من نقطة إنسجام الشهيد الصدر (قده) ومرجعيته مع مرجعية السيد الخوئي (قده) في منهج الصبر والصمود طيلة فترة السبعينيات (1970م ـ 1979م) إلى نقطة أخرى ينبغي أن لا تخفى على المؤمنين وهي إنَّ حزب الدعوة الإسلامية كان في تلك الفترة (1970م ـ 1979م) بل وقبلها أيضاً يمر بالمرحلة الثقافية فهو لم يكن متصدياً في تلك الفترة للعمل السياسي وإنما كان تصديه ثقافياً
الأتجاه الرابع : إنَّ رؤيةالقيادة الحزبية هي الرؤية الصائبة وعلى القيادة المرجعية الإلتزام بمقررات القيادة الحزبية. فنجد على سبيل المثال حسن شبَّر وهو يتحدث عن أحداث سنة 1969م وكيف إن السيد محسن الحكيم (قده) رفض خطة حزب الدعوة الإسلامية في إدارة التحرك الإسلامي وقتذاك فيقول : ( ولعل الإمام الحكيم لو وافق على التحرك الذي أقترحه عليه حزب الدعوة الإسلامية لكانت الأمور قد تغيّرت لأن حزب البعث في العراق لم يكن آنذاك بتلك القوة والناس لم يكن يتملكهم الخوف والإرهاب والله أعلم )[23] ، وأيضاً نجد مثال هذا الإتجاه المفهوم المنسوب لقياديين في حزب الدعوة الإسلامية وهو ( يتحمل قيادة الساحة من يتصدى لها ) و ( يتحمل قيادة الساحة من يبقى فيها )[24] ، وقد ظهر هذا المفهوم حين لجأت مرجعية الشهيد الصدر (قده) ـ وكذلك المرجعية العليا للسيد الخوئي (قده) ـ إلى أسلوب الصبر والصمود طيلة فترة السبعينيات وحتى إنتصار الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م ، وبذلك يطرح حزب الدعوة الإسلامية نفسه بديلاً قيادياً لقيادة الساحة الإسلامية بدلاً من قيادة المرجعية الدينية.
بيان خطأ الإتجاه الرابع : يتضح خطأ هذا الإتجاه فيما يلي : أولاً. إنَّ حزب الدعوة أو أي جهة حزبية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المرجعية في معرفة التشريع الإسلامي في مختلف جوانب الحياة والجوانب السياسية منها بشكل خاص ، وبذلك فإن القرارات التي يصدرها الحزب ـ الدعوة أو غيره ـ إنما تعبر عن رأي قيادته وليست بالضرورة قرارات متوافقة مع الشريعة الإسلامية إلا إذا أمضتها المرجعية العليا ، وبالتالي فكيف يمكن للمؤمن والداعية أن يتحرك ضمن أوامر لا يدرك مدى موافقتها للشريعة الإسلامية ؟ ثانياً. إنَّ الحزب يجب أن تكون لديه خطة عمل ومنهج بعيد المدى ـ كما هو حال المرجعية الدينية ـ وعليه أن لا يتخذ قرارات إنفعالية نتيجة حدثٍ ما ، وإنَّ قراراته الوقتية يجب أن تقع ضمن الإطار العام له ولا تخالفها ، فحزب الدعوة في سنة 1969م كان يمر بالمرحلة التغييرية (الفكرية والثقافية) ونتيجة تصاعد أحداث الصِدام بين المرجعية الدينية والسلطة العفلقية قررت قيادة الحزب المذكور فجأة الدخول في المرحلة السياسية وأبدت إستعدادها للمبادرة بالتصدي للسلطة العفلقية والتضحية بمائة من كوادرها[25] ، وهي لم تكن قد هيأت أعضائها للدخول في تلك المرحلة بل أن القيادة نفسها للحزب المذكور كانت بعد مرور عشر سنوات على أحداث حزيران 1969م أي في أحداث التحرك الثوري للشهيد الصدر (قده) سنة 1979م نجد إنها ما زالت مترددة في الدخول في المرحلة السياسية[26] ، فكيف إذن أرادت تلك القيادة أن تدخل المرحلة المذكورة قبل عشر سنوات !! مما يدل على دقة نظر المرجعية العليا حين رفض السيد محسن الحكيم (قده) في حزيران 1969م مقترح تحرك حزب الدعوة الإسلامية ضمن أحداث تصديه للعفالقة تلك السنة. بل وحتى حين أعلنت قيادة الدعوة الدخول في المرحلة السياسية فإن ذلك لم يكن بمحض إرادتها بل الأحداث المتلاحقة جرَّتها بشكل متسارع للمرحلة السياسية وقد أحست الحركة بحالة الإنجرار هذه[27]. ثالثاً. إنَّ مقترح قيادة الدعوة في حزيران 1969م إثارة الشعب من الجنوب إلى الوسط ، للعشائر والأهالي وقرار الحزب بإمكانية التضحية بمائة من كوادره[28] ، هو مقترح يدل على قلة خبرة وقلة تجربة حيث إنَّ الحزب المذكور كان يمكنه تحريك الجماهير (العشائر والأهالي) وتقديم التضحيات والدماء ولكنه لم يكن يمتلك وسائل النصر ، فمجرد إثارة الجماهير لا تعني حتمية أو حتى إحتمالية تحقق النصر إحتمالية عقلائية ، فالمرجعية العليا للسيد محسن الحكيم (قده) كانت لديه تجربة مع نظام العفالقة سنة 1963م وكيف كانت ميليشيات النظام المذكور المسماة (الحرس القومي) سيء الصيت تفتك بأبناء الحركة الإسلامية في تلك السنة[29] ، فهو يعرف إجرام وقسوة وشراسة العفالقة في التصدي لخصومهم فكيف يصبح حالهم وهم قد أستولوا على السلطة مرة ثانية سنة 1968م بدعم أمريكي ولديهم الجيش العراقي الأسير لديهم وهو قوة عسكرية ضاربة ومهيأة للفتك بأي إنتفاضة شعبية وبمباركة دولية لاسيما بعد مبادرة نظام الشاه المقبور في 27 نيسان 1969م بإلغاء معاهدة سنة 1937م الحدودية بين العراق وإيران[30] ، ومحاولة النظام العفلقي إلصاق تهمة العمالة للشاه بحق السيد محسن الحكيم (قده) تمهيداً لضرب المرجعية العليا والحركة الإسلامية المستظلة بظلها ، هذه الأمور غابت عن أذهان قيادة حزب الدعوة الإسلامية نتيجة قلة خبرتهم في العمل السياسي.
تاريخ تأسيس حزب الدعوة الإسلامية أختلفت الآراء حول تأريخ السنة التي تأسس فيها حزب الدعوة الإسلامية ، ويعود جزء من الإختلاف إلى إختلافهم في معنى "التأسيس" هل هو تأريخ ظهور فكرة إنشاء حزب إسلامي أم هو الإجتماع الذي تم فيه إتخاذ القرار بإنشاء حزب إسلامي ، إم هو الإجتماع الذي تم فيه إنشاء الحزب فعلاً بكافة تفاصيله وأسسه وهيكليته ، فمن هنا نشأ الإختلاف في تأريخ تأسيس حزب الدعوة الإسلامية.
تأريخ ظهور الفكرة : يمكن إعتبار السيد محمد مهدي الحكيم (قده) هو أول من وضع بذرة إنشاء حزب إسلامي شيعي في العراق ، حيث يقول في مذكراته إنه عرض فكرة تأسيس الحزب في عام 1956م على طالب الرفاعي وعبد الصاحب دخيل فكان الثلاثة مع شخص آخر يعقدون الإجتماعات الأولى للحزب ، ثم أقترح طالب الرفاعي مفاتحة السيد محمد باقر الصدر (قده) ، فوافق على الفور حين فاتحه السيد محمد مهدي الحكيم (قده)[31].
إجتماع إتخاذ القرار بإنشاء حزب إسلامي : والمقصود به الإجتماع الذي عقد في النجف الأشرف في تشرين الأول 1957م ، وقد أطلق عليه الأستاذ صلاح الخرسان أسم (الإجتماع التأسيسي)[32] ، وأطلق عليه الأستاذ علي المؤمن أسم (الإجتماع التأسيسي التمهيدي)[33] ، وقد تميّزَ هذا الإجتماع بما يلي : ـ سبقت هذا الإجتماع إجتماعات تمهيدية وتأسيسية كثيرة. ـ تلت هذا الإجتماع إجتماعات تمهيدية وتأسيسية كثيرة[34]. ـ لم تكن معالم تشكيل الحزب في هذا الإجتماع واضحة فلم يكن الأسم مشخصاً ومعروفاً ، كما إنَّ النظام الداخلي لم يكن محدداً بشكل كامل حتى ذلك الوقت وكذلك أساليب ومنهج العمل والحقوق والواجبات[35] ، والمركز القيادي ، فلم ينبثق عنه ما يحمل مقومات الحزب[36]. ـ حضر هذا الإجتماع ثمانية من علماء دين ومثقفين إسلاميين منهم السيد محمد باقر الصدر (قده) والسيد محمد مهدي الحكيم (قده) والحاج محمد صادق القاموسي والسيد محمد باقر الحكيم (قده)[37] ، ولم يكن السيد مرتضى العسكري من بين الحضور بل لم يكن على إطلاع عليه أصلاً ، فبعد هذا الإجتماع بأشهر وفي وقت لاحق من عام 1958م إقترح السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) على السيد محمد مهدي الحكيم (قده) ضم السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) إلى الهيئة المؤسسة[38]. ولا يبدو أنَّ هناك ميزة كبيرة لهذا الإجتماع عن الإجتماعات التي سبقته أو التي تلته في إطار الإجتماعات التمهيدية.
إجتماع إنشاء الحزب فعلاً : وهو الإجتماع الذي عقد في كربلاء المقدسة في أواخر صيف 1958م=1378هـ[39] ، ويكتسب هـذا الإجتماع أهمية إستثنائية في تأريخ حزب الدعوة الإسلامية[40] ، فهو يُعد الإنطلاقة الحقيقيـة له[41] ، ففي هذا الإجتماع تم رسم الخطوط العريضة للتنظيم وحددت أساليب العمل الحزبي وفق قاعدة (الغاية لا تبرر الوسيلة) بعد ذلك تم إختيار أول قيادة لحزب الدعوة الإسلامية (التسمية لم تكن موجـودة بعد) وأدى الجميع القَسَمْ وكـان أول من أداه هو السيد العسكري وكان أكبر الحضور سناً بإلحاح من السيد الشهيد الصدر (قده)[42]. وقد حضر هذا الإجتماع كل من السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) والشهيد السيد محمد مهدي الحكيم (قده) والسيد مرتضى العسكري (حفظه الله) والشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قده) والأستاذ طالب الرفاعي والحاج محمد صادق القاموسي والحاج الشهيد عبد الصاحب دخيل والحاج محمد صالح الأديب[43]. من أجل ذلك فقد كان الشهيد محمد باقر الحكيم (قده) يذهب إلى إعتبار تأريخ عقـد إجتماع كربلاء المقدسة المذكور في أواخر صيف 1958م هو تأريخ تأسيس حزب الدعوة الإسلامية ، وكذلك يؤكـد الأستاذ طالب الرفاعي على إنَّ تأسيس الحزب الفعلي تم بأشهر قليلة بعد إنقلاب تموز 1958م ويعزز السيد محمد مهدي الحكيم (قده) شهادة (الشهيد محمد باقر الحكيم (قده) وطالب الرفاعي) بشكل إجمالي بقوله ( نستطيع القول بأن حزب الدعـوة تأسس قبيل أو بعيد 14 تموز )[44]. بعد هذا الإستعراض الموجز نجد إنه لا قيمة لإعتراض حسن شبَّر على التأريخ الذي إختاره الشهيد محمد باقر الحكيم (قده) ـ في أواخر صيف 1958م ـ وترجيح حسن شبَّر لإجتماع النجف الأشرف التمهيدي في تشرين الأول 1957م ليكون هو تأريخ تأسيس الحزب. وتبدو من خلال دراسة بعض الوقائع إحتمالية أن تكون هناك جماعة داخل حزب الدعوة الإسلامية يرجحون إختيار إجتماع النجف الأشرف التمهيدي في تشرين الأول 1957م ليكون هو تأريخ تأسيس الحزب المذكور لكون الإجتماع المذكور لم يكن يضم السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) ، فكأنهم يريدون إستبعاد دوره الهام في وجود وتأسيس حزب الدعوة الإسلامية بسبب وجود خلافات بينه وبينهم[45] ، ومما يدل على دور السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) الهام في تأسيس الحزب المذكور هو حرص الشهيد الصدر (قده) على ضمّه إلى الهيئة التأسيسية للحزب المذكور وإصرار الشهيد الصدر (قده) على تقديمه ليكون هو أول من يؤدي قَسَمْ الحزب بالإضافة إلى تقدمه عليهم بالسن ، كما ذكرنا آنفاً.
سبب خروج السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قده ) من حزب الدعوة الإسلامية إنَّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) خرج من حزب الدعوة الإسلامية سنة 1960م[46] ، وكان هناك سببان لهذا الأمر الأول ما عرف بقصة حسين الصافي وهو مسؤول منظمة حزب البعث في النجف حيث ذهب إلى السيد محسن الحكيم (قده) وإدعى إنَّ السيد الصدر أسس حزباً يدعوا للتسنن ونشر الفكر الوهابي بين المؤمنين فأعرض عنه السيد الحكيم (قده) بعد أن أسمعه كلاماً يمدح فيه السيد الصدر وعلى أثر ذلك أرسل ولده السيد مهدي الحكيم (رحمه الله) برسالة شفوية إلى السيد الصدر يقول فيها : ( إننا نؤيد العمل الإسلامي وكل من يعمل للإسلام نساعده ونوجهه ويجب أن نشتغل مع هؤلاء دون أن نحسب عليهم فليشتغلوا هم ونحن نوجههم) فقال السيد الصدر بعد تلقيه الرسالة : (سأفكر واتأمل في الأمر)[47]، فكان هذا هو السبب الأول لتركه الحزب ، ومن الجدير ذكره إنَّ السيد محسن الحكيم (قده) كان يشترط في الإنتماء للحزب ذي الإتجاه الإسلامي أن تكون (الدعوى ظاهرة والقيادة معروفة وموثوقة)[48] وليست قيادة سرية كما هو حال حزب الدعوة الإسلامية ، وعلى نفس المنهج سار السيد محمد باقر الصدر (قده) فنجده بعد وفاة السيد الحكيم (قده) يصدر حكماً فقهياً بحرمة الإنتماء إلى التنظيمات الإسلامية لطلبة الحوزة العلمية وذلك في سنة 1974م[49]، وقد أستقر رأيه على ضرورة إبعاد المرجعية الدينية عن التنظيم الحزبي[50]. أما السبب المباشر لترك الشهيد الصدر (قده) حزب الدعوة الإسلامية هو تغير نظره الفقهي في نظرية الشورى التي يعتمد عليها أساس العمل الإسلامي داخل الحزب المذكور فعدل عنها إلى نظرية ولاية الفقيه فيما بعد[51]. ومن الجدير بالذكر إنَّ نظرية الشورى تستند إلى دلالة آية الشورى على الحكم الإسلامي وقد صاغ الشهيد الصدر أسس الحكم الإسلامي بالإستناد إليها[52] ، وكان السيد الخوئي (قده) أول من بين للشهيد الصدر (قده) عدم قبوله بدلالة آية الشورى على الحكم الإسلامي[53]، وكذلك فعل السيد محمد باقر الحكيم (قده)[54]. فإذا لم تكن لآية الشورى دلالة على الحكم الإسلامي فكيف يؤسس حزب يدعو لإقامة ذلك الحكم بالاستناد إليها ، هذا هو الإشكال الذي واجه الشهيد الصدر (قده) ودفعه للخروج من حزب الدعوة الإسلامية ، ويبدو إنَّ السيد حسن شبَّر لم يستوعب مكمن الخلل الذي دفع الشهيد الصدر (قده) للانسحاب من الحزب فنجده يفند هذا الرأي فيقـول : (والحكيم يعلم تماماً أن آية الشورى إنما تأتي في شكل الحكم ، هل هو بناءاً على آية الشورى أم ولاية الفقيه أو شيء آخر ؟ وليس في أصل تأسيس الحزب الذي هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر)[55]، ويقول في موضع آخر : ( أما موضوع الشبهة التي طرأت عليه من آية الشورى فإنما هو في شكل الحكومة وليس في أصل تأسيس الحزب وواضح لمن له أدنى معرفة أن آية الشورى تنصرف دلالتها إلى مسألة تعيين شكل الحكومة لا مسألة إقامة الحكومة فإن إقامتها أمر ضروري ) إلى أن يقول : ( الشبهة في تشكيل الدولة هل هي وفق الشورى أم ولاية الفقيه وليس في أساس العمل الحزبي )[56]. لقد وضع الشهيد الصدر (قده) أسس الحكومة الإسلامية بالإستناد إلى آية الشورى ((وأمرهم شورى بينهم)) الدالة على إمكان إقامة الحكم الإسلامي على قاعدة الشورى[57] ، ثم حصلت لدى الشهيد الصدر (قده) شبهة شرعية مدارها هو الشك بدلالة آية الشورى على الحكم الإسلامي الذي صاغ أسسه بالإستناد إليها[58] ، مما دفع الشهيد الصدر (قده) للإنسحاب من الحزب المذكور. أما دعوى حسن شبَّر بأن أصل تأسيس الحزب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي دعوى بلا دليل ، لأن الحزب قد تشكّل من أجل إقامة حكم إسلامي بالإستناد إلى آية الشورى ، و يعاضد كون دعوى حسن شبَّر هي دعوى بدون دليل هو إنَّ أسس الحكومة الإسلامية التي تشكل أساس حزب الدعوة الإسلامية قد وضعها الشهيد الصدر (قده) بالإستناد إلى آية الشورى كما ذكرنا آنفاً.وأيضاً فأن الشهيد الصدر (قده) بعد تبنيه نظرية ولاية الفقيه العامة طلب من قيادة حزب الدعوة الإسلامية سنة 1971م سحب الأسس المذكورة من التداول لكنها رفضت لأنها لم تقتنع بولاية الفقيه العامة التي تبناها الشهيد الصدر (قده)[59].
مكتبات آية الله الحكيـموالمساجد والحسينيات سبحان الله فالمؤلف يقلب الحقائق رأساً على عقب ، لأن حزب الدعوة الإسلامية كان يستظل بظل النهضة الإصلاحية لمرجعية السيد الحكيم (قده) ويعمل تحت غطائها ، فكان الحزب المذكور يتخذ من مرجعية السيد الحكيم (قده) ومن جماعة العلماء واجهة تغطي تحركاته ونشاطه[60]. والظاهر من تتبع مسيرة جماعة العلماء وحزب الدعوة الاسلامية أن هناك انتماءات متداخلة بينهما فمثلاً نجد أن السيد مرتضى العسكري (حفظه الله) والسيد محمد مهدي الحكيم (قده) كانا ينتميان في نفس الوقت الى كل من جماعة العلماء وحزب الدعوة الاسلامية فكان نشاطهم العلني والمكاسب التي يحوز ومنها من خلال النشاط الفعال لجماعة العلماء المدعومة من مرجعية السيد محسن الحكيم (قدة) وكبار العلماء تحسب لصالح حزب الدعوة الاسلامية الذي كان حزباً صغيراً سريا محدوداً في حجمة وامكانيته وقد حاول السيد حسن شبر أن ينسب النهضة الاسلامية التي حدثت في العراق في الخمسينيات والستينات في القرن العشرين الميلادي الى حزب الدعوة الاسلامية وحدة فيبرزه على أنه المحرك الاساسي والوحيد لتلك النهضة , متجاهلاً وجود عدد من المنظمات والاحزاب الفاعلة على الساحة السياسية والتاثير الاجتماعي كما بيَّنا ذلك مفصلاً في الصفحات السابقة تحت عنوان ( الدعوة والدعاة ـ الإتجاه الأول ).
حزب الدعوة الإسلامية وأحداث 1969م يمكن فهم حقيقة موقف حزب الدعوة الإسلامية من تحرك المرجع الديني الأعلى السيد محسن الحكيم (قده) ضد السلطة العفلقية سنة 1969م من خلال أمرين : الأول : إلتزام حزب الدعوة الإسلامية بمبدأ المرحلية ، فالحزب في تلك الفترة كان يمر بالمرحلة الثقافية التي لم تكن تسمح له بالتدخل في الأمور والمواقف السياسية[61]. الثاني : تمسك قيادة حزب الدعوة الإسلامية بالمبدأ القائل بـ ( قيادة الحزب للأمة مع الإستفادة في ذات الوقت من المرجعية كواجهة للعمل الإسلامي ومن الطاقات التي تملكها لدعم التيار الإسلامي في المجتمع )[62]. وقد أختلف حسن شبَّر مع الشهيد الحكيم (قده) في أمر هو قول الشهيد الحكيم (قده) : ( وأنسحبت القيادة من تعهدها بالقيام بتظاهرات عندما يقوم البعثيون بالتحرش بالمرجعية )[63]. فيرد عليه حسن شبَّر بأن والده السيد محسن الحكيم (قده) هو الذي رفض ذلك وقال : ( يجب أن تبقى الدعوة مستترة ولا يكشفون أنفسهم )[64] أو ( ينبغي أن يكون حزبكم مكتوماً أي مخفياً )[65] ( ينبغي أن يبقى حزبكم مخفياً ) كما نقله مصدر آخر[66]. ومن الواضح أنه لا تعارض بين ما ذكره الشهيد الحكيم (قده) وبين ما نقله حسن شبَّر عن السيد محسن الحكيم (قده) ، والأستاذ صلاح الخرسان ينقل النصين[67] بإعتبارهما جزئين واقعين من الأحداث لا تعارض بينهما كما فهمه هو أيضاً. فمن الواضح جداً من خلال قراءة النص الذي حسن شبَّر في ص (24) إنَّ قيادة الحزب أقترحت على السيد محسن الحكيم (قده) الظهور العلني وقيادة الإنتفاضة ضد السلطة ولو أدى الأمر إلى التضحيـة بمائة شخص من كوادر الحزب ، فجاء رفض السيد محسن الحكيم (قده)لهذا الأمر لأن واجهة العمل الإسلامي يجب أن تبقى محصوراً بالمرجعية ولكن تم الطلب من الحزب تسيير المظاهرات دعماً للمرجعية في حال تعرضها لخطر السلطة ، وحصل الإتفاق على هذا إلا إنَّ الحزب لم يفِ بوعده وهو ما ذكره الشهيد الحكيم (قده). لم يستطع الحزب أن يتخلص من ركيزة ( قيادة الحزب للأمة بدلاً من المرجعية ) ولأن الحزب لم يكن مستعداً للتخلي عن مرحلته الثقافية إلا تحت عنوان تطبيق هذه الركيزة ، لذلك فقد رفضت قيادته مقترح تنظيم البصرة في إعلان عصيان مدني شامل في جميع أنحاء العراق[68]، واتجهت إلى تهدئة الموقف. كان يمكن لقيادة حزب الدعوة أن تقوم بالتظاهرات وإبراز الدعم الجماهيري للمرجعية العليا دون أي ظهور أو دعاية للحزب في تلك الظروف حتى لا يحصل تفتيت للجهود غير إنَّ قيادة حزب الدعوة متمسكة بضرورة قيادة الحزب للأمة وليس المرجعية. هناك نقطة هامة أخرى ، فمن منطلق إيمان قيادة حزب الدعوة الإسلامية بأن تكون قيادة الأمة هي للحزب وليس للمرجعية العليا ، نجد الحزب يبتعد عن المرجعية العليا ، فبعد ترك الشهيد الصدر (قده) لحزب الدعوة الإسلامية لم يحاول الحزب المذكور الإلتفاف حول قيادة أي مرجعية أخرى ، ولا يوجد أي دليل على إلتفافه حول مرجعية السيد محسن الحكيم (قده) أو أو مرجعية السيد الخميني (قده) بعد قدومه إلى العراق سنة 1964م ، حيث إلتقى وفد من حزب الدعوة الإسلامية معه[69]. وقد رضخت قيادة الحزب المذكور إلى طلب الشهيد الصدر (قده) بوجوب أن تكون القيادة للمرجعية الدينية وذلك حين عرضت على الشهيد الصدر (قده) التعاون سنة 1979م[70] من أجل تجاوز أخطاءها في أحداث سنة 1969م. يضاف لذلك إنَّ مبادرة حزب الدعوة الإسلامية بتصعيد المواجهة مع السلطة المبنية على أساس أنَّ ( المبادرة بمثل هذا التحرك ستكبح جماح السلطة )[71]، قد رُفِضَتْ من قبل السيد محسن الحكيم (قده) ولكن تم الطلب من الحزب المذكور ( التحرك إذا تم التحرش بالمرجعية )[72]من قبل السلطة ، ولكن قيادة الدعوة لم تقم بالتحرك المذكور ، فمن لا يتحرك لصد عدوان السلطة كيف يمكنه التحرك لبدء مواجهة ضد السلطة ! لقد بيَّنت الوقائـع التي حدثـت إنَّ السيد محسن الحكيم (قده) كـان محقـاً فيمـا ذهب إليه ، يقـول الأستاذ صلاح الخرسان : ( وهناك نقطة جوهرية أخرى كانت وراء إحجام الإمام الحكيم عن تثوير الوضع في العراق وهي عدم إستعداد الشعب العراقي آنذاك ـ وبفعل تراكمات الماضي ـ للتضحية ولو بأقل القليل من أجل قضيته وإقامة البديل الذي يرتضيه على أنقاض النظام القائم ، ويشير الإمام السيد محسن الحكيم إلى ذلك بالقول "لو كنت أثق بأن الناس يتحركون فإنني سأفتي بالجهاد ضد السلطة ولكن أخشى أن أفتي بالجهاد ولا يترتب على ذلك أثر فعلي ويذبح بعض الناس " ، وقد صدق ما توقعه الإمام وظهرت دقة تشخيصه عندما إنفضّتْ الجموع الغفيرة عن مقر إقامته ببيان واحد صدر عن السلطة )[73].
فتوى تحريم الأنتساب بشعةٌ هي محاولة حسن شبَّر في تضليل القاريء والإستخفاف بعقله ، فتحْتَ عنوان ( الحكيم يستمر في ظلمه وتشويهه لحزب الدعوة الإسلامية ) ص (68) نقرأ الشيء الكثير من تلك البشاعة ، فهو ينقل كلام للشهيد الحكيم (قده) حول رأي الشهيد الصدر (قده) في العلاقة بين الحوزة والأحزاب الإسلامية فيحددها بالآتي : 1. الحوزة العلمية بتشكيلاتها وتنظيماتها تمثل القيادة الأساسية للعمل الإسلامي. 2. إستقلالية الحوزة بتشكيلاتها وتنظيماتها عن العمل المنظم الخاص (الأحزاب الإسلامية). وإذا بحسن شبَّر يرد على هذا الكلام بأن يشير لفتوى تحريم الشهيد الصدر (قده) الإنتماء للأحزاب الإسلامية على طلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية ثم يستند إلى كلام للسيد كاظم الحائري (دام ظله) حول إحتماليات فتوى الشهيد الصدر (قده) المذكورة فيقول السيد كاظم الحائري (رعاه الله) مخاطباً السيد الشهيد الصدر (قده) في رسالة بعث بها إليه : إنَّ المحتملات عندي أربعة : 1. أن يكون المقصود بهذه الكلمة لحاظ مصلحة في أصل ذكرها ونشرها كتقية ، .... 2. أن يكون المقصود بهذه الكلمة أولئك العلماء والطلاب المرتبطون بمرجعيتكم وإنْ اقتضت المصلحة إبرازها على شكل العموم. 3. أن يكون المقصود بهذه الكلمة فصل طلاب الحوزة العلمية في العراق عن العمل الحزبي درءاً للخطر البعثي الخبيث عنهم ، الذي يؤدي إلى إبادتهم. 4. أن يكون المقصود بها فصل جميع الحوزات العلمية في كل زمان ومكان عن العمل الإسلامي ....
وذَكَرَ أنَّ الشهيد الصدر (قده) وافق على الإحتمالات الثلاثة الأولى دون الأخير[74]. وفي هذه النقطة أحيل الأمر إلى للقاريء الكريم فهل يجد في موضوع الإحتمالات الأربعة وجواب الشهيد الصدر (قده) أي تعارض مع كلام الشهيد الحكيم (قده) ؟ هل الإحتمالات الثلاثة الأولى تعارض كون الحوزة العلمية هي القيادة الأساسية للعمل الإسلامي !؟ وهل تعارض تلك الإحتمالات وجواب الشهيد الصدر (قده) موضوع إستقلالية الحوزة بتشكيلاتها وتنظيماتها عن العمل الحزبي ؟! إنَّ معنى إستقلالية الحوزة العلمية هو أن تكون قيادة العمل الإسلامي هو للمرجعية الدينية وحسب نظرية الشهيد الصدر (قده) الذي تبنى نظرية ولاية الفقيه العامة ، فإن القيادة حين تكون الأمة الإسلامية محكومة للطاغوت هو للمرجعية الدينية وبذلك تكون الأحزاب الإسلامية منقادة للمرجعية الدينية فينتظم أمر العمل الإسلامي. يقول الأستاذ صلاح الخرسان : (ومما لا شك فيه إن إصرار السيد الحائري على تأكيد المعاني التي وردت في رسالته إنما يعود إلى خشية الدعوة من أن يفسر حكم الإمام الصدر على إنه تحريم لعموم العمل الحزبي الإسلامي لذلك جرت محاولات من قبل الدعوة لإيجاد مخرج لهذا الإشكال وذلك بربط أسباب الحكم بإرهاب السلطة في حين إنَّ ذلك العامل لم يكن إلا سبباً ثانوياً في قيام الإمام السيد الصدر بإصدار هذا الحكم الذي بني على ضوء نظريته في المرجعية الصالحة والتي تشترط إستقلال طلبة العلوم الدينية عن الدائرة الحزبية وتحرص على بقائهم في إطار الدائرة الإسلامية العامة )[75]. وأما ما أدعاه حول كلام الشهيد الصدر (قده) الذي نقله السيد محمود الهاشمي (دام ظله) : ( إنَّ كلمتي التي أصدرتها حول إنفصال الحوزة عن العمل الحزبي قد إنتهى أمدها) ، فقد حصل هذا بعد أن أذعنت قيادة حزب الدعوة الإسلامية وسلمت قيادتها للشهيد الصدر (قده) [76] وحسن شبَّر نفسه يذكر في هامش ص ( 72 ) إنَّ تلك الكلمة للشهيد الصدر (قده) كانت بتاريخ 21-22/5/1979م. فالشهيد الحكيم (قده) كان يتكلم عن الخط العام لحركة الشهيد الصدر (قده) فيما كان السيد كاظم الحائري (دام ظله) يتحدث عن الحكم الفقهي الذي أصدره الشهيد الصدر (قده) بتحريم الإنتماء للأحزاب الإسلامية على طلبة العلوم الدينية. على إننا نشكك بأن الشهيد الصدر (قده) هو الذي أجاب عن سؤال السيد الحائري (دام ظله) ، بل نشكك بالقيمة العلمية لهذا السؤال وذلك بسبب ما يحتويه من تلاعب بالألفاظ حيث تم الإشـارة إلى "الحكم الفقهي" الذي أصدره الشهيد الصدر (قده) بتحريم الإنتماء إلى الأحزاب الإسلامية من قبل طلبة العلوم الدينية بأنها "كلمة"[77] ولا نعرف معنى فقهي لهذه الـ "كلمة" ، مع إنَّ الحكم الفقهي يلزم العمل به جميع المؤمنين المكلفين بناءاً على الولاية العامة للفقيه ولا يخص مقلدي المجتهد الذي أصدره فحسب كما هو حال "الفتوى الفقهية".
الشهيد الصدر (قده) بين الرعاية والإنتساب يستدل حسن شبَّر في ص (75) برعاية الشهيد الصدر (قده) لحزب الدعوة الإسلامية على إنتسابه إليه ، ولا أدري ما الذي دفعه لتشويش ذهن القاريء فكلنا يعلم أن رعاية جهة ما لا تعني الإنتساب إليها ولا ملازمة بين الأمرين ! وعلينا أن نلاحظ في دحض دعوى الإنتساب الأمور الآتية : 1. لم يكن ل الشهيد الصدر (قده) إتصال مباشر مع قيادة الدعوة بصورة مستمرة ، بل كان يتصل مع بعض خواصه ممن كانوا ينتمون للحزب المذكور. 2. عدم قبول قيادة حزب الدعوة الإسلامية لبعض طلبات وأفكار الشهيد الصدر (قده). 3. إنَّ حوالي 80% من وكلاء الشهيد الصدر (قده) كانوا منتسبين في حزب الدعوة الإسلامية[78]، مما دفع إلى ترويج شبهة إنتسابه للحزب المذكور. 4. دعوى الإنتساب تجعل الشهيد الصدر (قده) تحت قيادة الحزب ، فيكون ملزماً بتلقي الأوامر من القيادة الحزبية ، في حين إنًَّ نظرية الشهيد الصدر (قده) واضحة في قيادة المرجعية الدينية للأمة.
أما قول حسن شبَّر ( فالتناقض واضح ، ثم من الناحية الشرعية ، أليس في ذلك حرمة في عمل الشهيد ، إذ يخرج من الحزب للشبهة الشرعية ولكنه يرعاه ويعاون عليه ( إنه حلال وحرام في آن واحد ) ) ثم يقول : ( أمن العدل والإنصاف أن يساهم الشهيد الصدر في تشكيل حزب الدعوة الإسلامية ويرعاه تلك الرعاية الفائقة ثم تعرض له شبهة في العمل الحزبي ، فينسحب وينجو بنفسه من حرمة هذا العمل ولا يأمر إخوانه ومن تورط بالحزب أن ينجوا أيضاً ؟ ولماذا لم يأمر بحل الحزب الذي بدا له بطلانه لئلا يقع الناس في الإشكال الشرعي الذي حرره الحكيم ؟ )[79] ، فيرد عليه قول الأستاذ صلاح الخرسان : ( ولقد أستمرت العلاقة بين الدعوة والسيد الصدر كما كانت قبل خروجه من التنظيم فقد كان السيد الصدر يشعر من جانبه بضرورة وأهمية العمل السياسي الإسلامي المنظم. ولذا بقي يؤيد التحرك السياسي (الخاص) بمستوى من المستويات وسمح للحزب ـ من أجل أن يحل الإشكال الشرعي له ـ أن يستند في شرعيته إلى فتوى بعض الفقهاء أمثال خاله الشيخ مرتضى آل ياسين أو غيره )[80]. ونحن بدورنا نتسائل : ألم يطِّلع حسن شبَّر على هذا النص لاسيما وإنَّ كتاب ( حزب الدعوة الإسلامية ) للأستاذ صلاح الخرسان هو أحد مصادر كتيبه سيء الصيت ( الرد الكريم ) كما في هامش صفحة (40) ، ولماذا التعنت والمكابرة من قبل حسن شبَّر أمام وضوح الحقائق. ألم يستطع حسن شبَّر التمييز بين "الشبهة الشرعية" وبين "الحرمة الشرعية" فالشهيد الصدر (قده) لم يُفتِ بالحرمة بل عرضت له شبهة جعلته متوقف في العمل ، والفرق كبير بين الأمرين ، ويبدو أن دراسة حسن شبَّر في مدارس منتدى النشر العلمية وغيرها مدة تزيد على (15) سنة لم تسعفه في التمييز بين هذين المصطلحين.
تحريم الإنتماء للأحزاب الإسلامية هل كان تقية ؟ يصر حسن شبَّر في ص (78) إنَّ تحريم الشهيد الصدر (قده) الإنتماء للأحزاب الإسلامية بالنسبة لطلبة العلوم الدينية كان تقية ، وذلك نتيجة عدم إستيعابه لفكر الشهيد الصدر (قده) ولمزيد من البيان على أن عِماد صدور حكم التحريم المذكور لم يكن التقية بل كان منهجاً عملياً وضعه الشهيد الصدر (قده) لقيادة التحرك الإسلامي : 1. طرح الشهيد الصدر (قده) نظريته في إنَّ ( المرجعية الصالحة هي القيادة الحقيقية للأمة الإسلامية وليس الحزب ، إنما الحزب يجب عليه أن يكون ذراعاً من أذرع المرجعية وتحت أوامرها )[81]. 2. إنَّ الشهيد الصدر (قده) قد أصدر حكماً فقهياً بالتحريم المذكور[82]، ولم يصدر فتوى فقهية فلو كان مقصود الشهيد الصدر (قده) هو التقية لما حكم بذلك بل لكان أكتفى بإصدار فتوى على سبيل التقية ونحن نعلم أن الحكم يختلف عن الفتوى في فقه المذهب الجعفري الإمامي ففتوى المجتهد تسري على مقلديه ولا تلزم غيرهم أما حكم المجتهد فيلزم مقلديه وغيرهم ولا يستطيع حتى باقي المجتهدين نقضه[83]في مورد الولاية على ذلك. 3. إنَّ نظرية الشهيد الصدر (قده) بالفصل بين الحوزة العلمية والأحزاب الإسلامية تعود إلى أوائل السبعينيات[84] ، وقبل إقدام السلطة العفلقية على إعدام الشيخ عارف البصري (رحمه الله) وجماعته ، فلا معنى للتقية هنا. 4. أشرنا سابقاً إلى التلاعب بالألفاظ في الرسالة المتضمنة للسؤال الذي طرحه السيد كاظم الحائري (دام ظله) والذي نقله حسن شبَّر في ص (70) بإستبداله مصطلح "الحكم الفقهي" بـ "الكلمة"[85]، وقد أشار فيهـا إلى موضوع التقية ، فلا يستبعد حصول تلاعب بالألفاظ في موارد أخرى فتسقط تلك الرسالة عن الإعتبار.
المرحلية في العمل كما هو شأنه دائماً يحاول حسن شبَّر الإلتفاف على الأذهان من أجل تبرير منهج خاطيء ينتهجه ، ففي ص (80) نقرأ ما نصه : ( نقول لأخينا الحكيم إنَّ معلوماتك غير دقيقة في معنى المرحلية ، فأنت تتصور إن هناك فصلاً كاملاً بين طبيعة مرحلة ومرحلة أخرى... ليس الأمر هكذا فالمرحلة الأولى (التغييرية) تبقى مع جميع المراحل الأخرى ، حتى لو تم إستلام الحكم فالإنسان لابد أن يتغير من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم ومن القعود إلى الجهاد وهكذا...) |